سيّد قطب في قصر الرئاسة
انتصرت الثورة وها هي السنتان الطويلتان والخطيرتان تمران بسلام، بعد أن وطّن مرسي وأصحابه الحكم في مصر.. يمر المصريون بواحدة لا تشبه أية مرحلة مرت بها مصر من يوم عرفت التاريخ، ويتحسس المصريون حناجرهم التي كاد الصدأ يخنقها، وقلوبهم التي كاد الوجل يقتلها وإراداتهم التي كاد الخوف يشلها، فيرون في أنفسهم أمرا لم يعهدوه من قبل إنها الحرية والكرامة والتعبير عن الرأي.. ولعلهم من فرط ما أصبحوا يشعرون به من امتلاك لحريتهم جنحت بهم الحالة إلى بعض الفوضى وعدم المسؤولية.. لكن ذلك من الباب المحمود إن كان البديل خنوعا واستكانة وعبودية مارستها الجموع قرونا بعد قرون من يوم فرعون الأول، مرورا بابن العاص وسواه..
والذي يعرف مصر تاريخا وجغرافيا يعرف أنها كانت كتلة حضارية، لكنها لم تكن في يوم من الأيام قوة امبراطورية.. لم تخرج لحرب ولكنها تتصدى للغزاة تنام، بجانب شطآن النيل حتى يفجؤها بفيضه فتقع بها الكوارث.. ولكنها اليوم شيء آخر فمنذ عامين وهي في الشوراع تطارد أشباح الخوف والمسكنة وعدم المبالاة، وتغيّر في العمق معاني وقيما استبدت بها طويلا.
في تاريخ مصر الحديث برز رجل كأنه مصنوع من طينة العزّة والكرامة والحرية، يمتلك من اليقين ما يكفي لتثبيت أمّة، ومن العزيمة ما يكفي للتصدي لتحد حضاري كبير، ومن الوعي ما يكفي لفضح المؤامرة مؤامرة الغرب وأذنابه.. إنه سيّد قطب، المفكر العربي المسلم الكبير الذي نفض الغبار عن معاني الإسلام الجليلة، ففسّر القرآن وأزاح عنه ركاما رانت عليه بفعل جهل الجهلة أو جبن الجبناء أو ظلم الطواغيت.. ونفخ سيد قطب روحه في الهشيم من الناس فاندلعت فيه النيران توقظ شعبا ظنّه كثيرون أنه قطيع يسير نحو المذبح بلا وعي أو إرادة.. كانت دولة البوليس المنتشرة في ميادين الحياة كلها تعبِّد الناس للطاغوت، وتقهر الأحرار وتزج بهم في السجون، فظن الظانون أنها خاتمة مصر وأن مصر هي كذلك.. كانت روح سيّد قطب الذي استقبل حبال المشنقة ليس لذنب إلا لأنه أراد أن تكون “لا إله إلا الله” منهج حياة الناس، ولأنه أراد أن لا يكون هناك معبود إلا الله، وأن لا يكون لأحد على قلوب الناس وإرادتهم سلطان إلا الله وحده.. وأن الناس أحرار فيما يعتقدون، وأن لا إكراه في الدين وأن مهمة اتباع هذا الدين الحقيقية تكمن في إزاحة الطواغيت من على رقاب الناس.. وأن تنشأ في الدنيا حكومة تعلي من شأن القيم، وتحرر الإنسان كل الإنسان في الأرض كل الأرض من أوهاق الدنيا ومن ضغط الفاسدين وأحابيلهم.
فكان هؤلاء الشباب المنتشرون على رأس ثورة مصر، خير التلاميذ للمعلم الشهيد سيّد قطب، الملتزمون بوعي بأفكاره النيّرة وبروحه المتحررة في فهم الواقع والتاريخ..
من يتدبر سلوك قادة مصر الجدد، يدرك أن سيّد قطب حاضر في مفاصل أفكارهم وروحهم، وأنهم شيء جديد تمام الجدة على مصر، وأن الحياة بهم أصبح لها طعم أخر لأنهم يؤمنون تمام اليقين أن للناس الحق الكامل في التعبير عما يريدون.
ومن أراد أن يفهم جملة السلوك السياسي لمصر الجديدة، فعليه أن يفهم أنها الآن تسير في خط الإسلام الرباني لا الإسلام الأمريكاني.. ومن هنا يتعاون ضدها المرتبطون بأجندات الغرب ولكن هيهات فلقد أقلع القطار.