شابة في العقد الرابع تحمل 45 شهادة عليا
هي شابة في سن الخامسة والثلاثين ومع ذلك تمتلك خمسة وأربعون شهادة علمية ؟ هل يُعقل هذا؟ وهل هناك من يمتلك شهادات أكثر من سنوات عمره؟ سؤال جرّنا للبحث عن الحقيقة عندما زارتنا في مكتب الشروق اليومي آنسة ماكثة بالبيت، وقالت إنها تستحق إلتفاتة على الأقل إعلامية بالكتابة عنها كظاهرة غريبة لها شهادات من كل أنواع العلوم والفنون واللغات.
وعندما بدأت تقدم لنا نماذج من هاته الشهادات اكتشفنا أن غالبيتها شهادات حصلت عليها نظير تربصات قصيرة المدى، والبقية عبر الدراسة بالمراسلة، وهي الطريقة التي تبيع عبرها بعض المراكز الشهادات لكل الذين يدفعون مقابلا ماليا، كما أن المراكز الخاصة بتعليم مختلف اللغات تمنح أيضا الشهادات نظير تعلم بسيط لبعض اللغات الحية، ناهيك عن مراكز التصوير والإعلام الآلي والخياطة والطبخ، لنجد أنفسنا أمام شابة قدمت من سوق نعمان من ولاية أم البواقي لا يزيد مستواها عن الرابعة متوسط. ومع ذلك تتقن الكثير من اللغات ومتمكنة من كل الفنون والعلوم، والحقيقة أنها لا تعرف شيئا ما عدا جمع الشهادات الورقية الوهمية التي لم تنفعها في شيء.
وفي أحسن الأحوال يمكن وضعها في إطارات للزينة فقط، وهي ليست الظاهرة الوحيدة، بل إن عدد الذين اتبعوا هذا السبيل بالآلاف، بطّالون وطلبة وعمال وحتى برلمانيون، أقنعوا أنفسهم بأن لا يتقدموا بملفات لأجل مزاولة مهن يحلمون بها سوى بسيرة ذاتية مصحوبة بالعشرات من هاته الشهادات الوهمية، وهناك من طالبي العمل من صاروا يقدمون السيرة الذاتية أو ما يُعرّفه الجميع بالمختصر الفرنسي CV في صفحات وليس صفحة واحدة حتى تثير دهشة صاحب العمل وأحيانا تعقده لأن بعض المتقدمين للعمل يقدمون سيرة ذاتية وشهادات وهمية توحي أن مستواهم أكبر من مستوى المدير نفسه، وهو ما جعل بعض المؤسسات تطلب السيرة الذاتية فقط، وترفض تسلّم الشهادات الكثيرة التي تتطلب خبيرا لأجل معرفة صحتها ومعرفة المؤسسات التي سمّى بعضها أنفسهم بالسوربون والأزهر وغيرها من التسميات التي تؤكد أن في الأمر احتيال مع سبق الإصرار والترصد.
وإذا كان دخول الجامعات الأجنبية صعبا وانتظار الحصول على الشهادات المعترف بها في مختلف العلوم يتطلب التضحية والسهر، فإن الكثير من المراكز صارت تقدم شهادات تابعة لمختلف العلوم من هندسة وطب وحتى طب الأعشاب والتجميل والمودة، ووجدوا زبائن أو ضحايا بالآلاف من العالم الثالث من الفاشلين في المدارس، مقابل دفع مبالغ ودراسة ربما بالمراسلة أو بالحضور لمدة أسبوع كأقصى مدة زمنية، كما هو حاصل في تونس، حيث تكاثرت المراكز الخاصة بالتجميل والطب والماركيتينغ، واتضح أن غالبية الدارسين فيها من الجزائريين من رجال الأعمال الذين يحاولون الحصول على شهادات يعلقونها في مكاتبهم ليعوّضوا مستوياتهم التعليمية المتدنية، والتي تجعلهم يخجلون بها، وبمجرد أن تسألهم عن مؤهلاتهم يقولون إنهم خبراء في بعض الاختصاصات ودرسوا خارج الوطن، ويقدموا شهادات أنيقة في إطارات باهرة، وهي فارغة في محتواها، وهي شهادات تنفخ من مستوى صاحبها حتى يكاد يتحوّل إلى إنسان آخر لا علاقة له بالحقيقة، وللأسف فإن هذه الظاهرة عمّت وصارت قاعدة لدى طالبي العمل ضمن معادلة الغاية تبرّر الوسيلة، ولأن الغاية هي العمل الضامن الوحيد للحياة الكريمة، فإن انتحال الصفة في وسيلة السيرة الذاتية، يصبح مباحا حسب قناعات طالب العمل، ولم يحدث وأن توبع أصحاب هذه الشهادات المزيفة والوهمية رغم أن بعض رجال الأعمال يقدمون أنفسهم على أساس أنهم مختصين في اللغة الانجليزية أو مترجمين أو مختصين في الماركيتينغ، والحقيقة أنهم مختصين في تلوين صورهم الباهتة علميا.
حتى علوم الشريعة طالتها الشهادات الصفراء؟
فريق آخر اختار الوجهة الخليجية أو التركية أو المصرية أو اللبنانية، وراهن على شهادات دينية لنفخ السيرة الذاتية رغم أن الدراسة في بعضها تتم عبر الأنترنت، ولكن بريق الشهادة التي يُكتب فيها المدينة المنوّرة أو مكة المكرمة بالخط الكوفي الجميل وصور البقاع المقدسة هو ما يجعله يدفع الكثير لأجل أن يُدهش معارفه وأصحاب العمل أو بكلمة اسطنبول أو القاهرة أو بيروت، رغم أن أصحاب هذه الشهادات لا يكادون يحفظون آية قرآنية أو حديث نبوي شريف واحد، وهو ما يشبه انتحال الصفة المسجّل في سيرته ومساره الدراسي، حيث يخط في سيرته الذاتية بالتفصيل الممل خطوات دراسية عادية بداية من المرحلة الابتدائية ومرورا عبر الإكمالي والثانوي، إذ يقدم الأسماء التاريخية أو الخاصة بالشهداء مثل محمد عبده والشيخ الورتلاني والشيخ ابن باديس التي تسمى بها المدارس التي زاول فيها دراسته ليتوقف مطولا في ذكر المدارس المزعومة الخاصة بالشريعة، فيخصّص لها حيزا مطولا فتخاله فقيه تمدرس في الحجاز، ويتم إدراج أي تكوين خفيف أو عبر المراسلة على أساس أنه ديبلوم عال مثل كتابة متخرج من معهد معتمد من طرف الدولة أو تكوين عال في الإعلام الآلي الراقي، وهي مجرد تربصات تكوينية قصيرة الأمد أو بواسطة إلكترونية، والغريب أن غالبية المراكز الموجودة في الجزائر تضيف كلمة الدولي والمعتمد من طرف الدولة لتبهر الزبائن، رغم أنها جميعا غير معترف بشهاداتها في الجزائر فما بالك بالخارج، وتتجاوز جرأة أصحاب هذه الشهادات كل الخطوط الحمراء عندما يزعمون ما ليس لهم في سيرتهم الذاتية مثل كلمة خبير في الاقتصاد أو في الحديث الشريف والفقه بمجرد أن ابتاع شهادة ربما وصلته عبر البريد ولم يسافر لأجل الحصول عليها، ولم يتوقف الاحتيال الخطير على مشارف العمل وإنما طال الجانب الاجتماعي، والخاطبين أيضا صاروا يستعملون هاته الشهادات وحتى المخطوبات تقدم بعضهن أنفسهن على أساس أنهن متخرجات من معاهد اللغات الحية وهن دون المستوى الثانوي، وتقلن أن الشهادة التي تسلمنها في مركز يقدم دروسا بالمراسلة هي تكوين معترف به، كما أن بعض الخاطبين قدموا أنفسهم كعلماء زمانهم واتضح أن مستواهم دون الجامعة وما يقولونه مجرد شهادات بيضاء اشتروها بثمن بخس.
أكبر احتيال في اللغات؟
غالبية السير الذاتية المقدمة لمختلف المؤسسات الوطنية والخاصة وحتى المسافرة إلى الخارج يتحدث صاحبها عن اللغات التي يتقنها كتابة وقراءة، ويقدم مقابل ذلك شهادات عن تعلم الكثير من اللغات، وهنا يحدث أكبر احتيال، حيث لا يكتفي بعض طالبي العمل في الخوض في اللغات الثلاث في الجزائر وهي العربية والفرنسية والإنجليزية، بل يتجهون نحو لغات هم يعلمون أن مدير المؤسسة العمومية أو صاحب الشركة الخاصة لا يتقنها مثل الإسبانية والإيطالية والصينية والألمانية التي صارت تُدرس سطحيا في بعض المراكز وتمنح للجميع شهادات مقابل مبلغ مالي محترم، تجني منه هاته المراكز أموالا طائلة، وإذا كانت غالبية هاته المراكز تهدف لتحسين لغة الزبون فإن بعض الزبائن يبقى هدفهم الحصول على هاته الأوراق المسماة شهادات.
سألنا مجموعة من أصحاب العمل ومدراء المؤسسات العمومية عن أغرب الشهادات التي تتهاطل على مكاتبهم يوميا، فقالوا إن بعض طلاب وطالبات العمل قدموا شهادات أكبر من أعمارهم، وبعضها من بلدان غريبة مثل الفيتنام واللاووس وتايلندا وحتى من الدول الإفريقية، كما أن طالبة عمل قدمت لصاحب مطعم كبير سيرة ذاتية عنها مدهشة، مرفوقة بست شهادات عن مختلف أنواع الطبخ العالمي من الصيني إلى الفرنسي والإيطالي، ولكنها استقدمت شهادة عن الخمور الفرنسية، ومع ذلك جرّبها صاحب العمل ليصطدم بكونها لا تتقن حتى تحضير البيض المقلي أو طهي الحليب، ومن غير المعقول أن تحصل آنسة على شهادة تمكّن في الطبخ أو الخياطة أو الحلاقة بعيدا عن الدراسة التطبيقية.
أما المشكلة الحقيقية فهي أن أصحاب الشهادات الجامعية من محامين ومهندسين وأطباء صاروا هم أيضا يلجؤون لمثل هذه الممارسات الغريبة، حيث يتوجّه الدكاترة إلى تونس في تربصات مشبوهة ويعودون بشهادات على الطائر يضيفونها لإشهارهم أو للوحات التعريف بهم، كأن يكتب، طبيب ومختص في التدليك من فرنسا أو تونس أو إيطاليا وغيرها من بلدان العالم في محاولة للتميّز، وهناك أطباء بمجرد أن يدخل المريض إلى عياداتهم حتى تذهله خارطة من الشهادات على الجدار المقابل وكأن الطبيب المعالج حاصل على جائزة نوبل في الطب، وهناك أئمة يجمعون العشرات من الشهادات بمجرد أنهم أجروا تكوينا في التدريس عبر الأنترنت أو مجرد حضورهم لأي ملتقى عادي، وإذا كان أصحاب الشهادات الحقيقية من المتخرجين من الجامعات الجزائرية والأجنبية بعد سنوات وربما عقدين كاملين من الدراسة مازالت مؤهلاتهم دون المستوى فكيف لأصحاب هذه الشهادات الوهمية الطائرة التي يحصل عليها صاحبها دون قطرة عرق وفي زمن قياسي قد لا يزيد عن أسبوع ومقابل مبلغ مالي؟