الرأي

شبابنا لا يستوون مثلا

سلطان بركاني
  • 530
  • 0

الواقع الذي يعيشه شبابنا صعب ومتشابك، وهم في مواجهته والتعامل معه لا يستوون مثلا؛ بينهم صاحب الهمّة العالية، وطالب السعادة الحقيقية والجنّة العالية الذي يسعى ليكون ناجحا في دنياه، فائزا في أخراه؛ يجاهد نفسه ويقوّمها على طاعة الله. يحافظ على الصلوات في بيت الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يصون نفسه عن اللهث خلف الشهوات ويحفظ دينه ومروءته عن الانقياد والميل إلى العابثات واللاهيات، كلّما فتح عليه الشّيطان بابا من أبواب الفتنة، قال بلسان حاله ومقاله: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاّ يُفْلِحُ الظَّالِمُون)).

شابّ لا يتّبع خطوات الشّيطان ولا يستسلم لنزغات نفسه. يهوّن من مصاعب الدّنيا ومصائبها ويتفاءل خيرا ويحسن الظنّ بخالقه ويستعين به ويدعوه ويرجوه، ويسعى لكسب رزقه من الحلال، وكلّه يقين أنّ رزقه مضمون، ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين))، يسعى في طلب الحلال ويجتنب الحرام ويحيد عن الطرق المؤدية إليه، ولا يهمّه أن يتدافع النّاس على الحرام ويتنافسوا في تحصيله.. لا يهمّه أن يتدافع غيره من الشّباب على قروض “لونساج” الربوية أو يتزاحموا أمام البنوك لاقتناء السيارات وأخذ القروض، ولا يغريه أن يراهم يتنافسون في إيداع الملفات للظّفر بالمساكن عن طريق القروض البنكية.. كلّ هذا لا يهمّه ولا يعنيه، لأنّه صاحب مبدأ في هذه الحياة، وصاحب يقين في أنّ الله يعوّض بالحلال من ترك الحرام لوجه ربّه الكريم.. يرى كلّ هذه الطّرق المحرّمة ويسمع عنها، لكنّه يأبى أن يسلكها، ويرفض أن يبدأ مسيرة حياته بالحرام.. يتقي الله ويصبر وأمام ناظريه قول الله تعالى: ((إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين)).

في مقابل هؤلاء الشّباب، هناك شباب آخرون، أضاعوا دينهم وضيّعوا دنياهم، ورضوا بأن يكونوا أحلاسا للمقاهي والملاعب، وأن يعكفوا على الإنترنت ومواقع التواصل ويقضوا معها جُلّ أوقاتهم، بحثا عن الصداقات والاتصالات والإعجابات لإهدار الأعمار وقتل الأوقات، ومنهم من يتمادى إلى أكثر من هذا، إلى الوقوع في الفواحش والمنكرات وإلى تعاطي الخمور والمخدّرات، وفي ظنّه أنّ هذا هو الحلّ لنسيان همومه وغمومه والتخلّص من الضّيق الذي يعشعش في قلبه وصدره ويخنق أنفاسه.. والله إنّ حال هذا الصّنف من الشّباب لتَدمى لها القلوب وتدمع العيون، وتأسى الأرواح للباسهم وهيئاتهم وكلامهم وهمومهم وأخلاقهم وتصرّفاتهم.. هم إخواننا وأبناؤنا وجزء من أمّتنا وحالهم تؤثّر في واقع الأمّة شئنا أم أبينا، وهم -لا شكّ- ملومون في هذه الطّريق الخاطئة التي سلكوها، ومحاسبون عند الله على كلّ صغيرة وكبيرة، إن لم يتوبوا ويصلحوا، لكنّنا ينبغي أن ننظر إليهم على أنّهم ضحايا شياطين الإنس والجنّ الذين سهّلوا لهم سبل الحرام وضيّقوا طرق الحلال، وأشاعوا الفواحش والانحلال؛ ضحايا شياطين يوسوسون وأنفس ضعيفة تنقاد للسّوء.

بين هؤلاء وأولئك، صنف آخر من الشّباب، يتأرجحون بين الحلال والحرام. يصلّون أكثر الأوقات، ويحضرون الجمعات، ويجتنبون كثيرا من المحرّمات، لكنّ اليأس قد ملأ نفوسهم، بعد أن أوصدت في وجوههم الأبواب، وبعد أن ملّوا الانتظار.. بلغوا الثلاثينات ودخلوا في الأربعينات من أعمارهم، والواحد منهم لا يزال يحلم بمنصب عمل وسكن وزوجة وسيارة، بل إنّ ضروريات الحياة أصبحت بالنّسبة إليهم أحلاما صعبة المنال.. وهؤلاء الشّباب في أمسّ الحاجة إلى أن يُلتفت إليهم ليلتحقوا بالصّنف الأوّل قبل أن يتحوّلوا إلى الثّاني.. طريق الانحراف والانحلال كثيرا ما تبدأ من اليأس والقنوط ومن مكابدة الفقر مع ضعف الإيمان.

ربّما لا يتمكّن أكثر الأئمّة ولا يسعى كثير منهم إلى مخالطة الشّباب الذين لا يدخلون إلى المساجد ولا يعرفون طرقها، لكن في إمكانهم أن يخاطبوا هؤلاء الشّباب المذبذبين، ويُحيوا في قلوبهم الأمل بإذن الله، ويثبّتوا أقدامهم على طريق الصّلاح والحلال، ويسمعوا أنّاتهم وينصحوهم ويُبدوا الاهتمام بهمومهم ومعاناتهم، ويوجّهوا كلماتهم بالموازاة مع ذلك إلى المجتمع عامّة ليرحم الشّباب أيا كانت درجة حيدتهم عن طريق الهداية والصّلاح، وإلى المسؤولين المحليين وأصحاب الأموال والمقاولين، وإلى الآباء، ليربتوا على أكتاف الشّباب ويحنوا عليهم، ويقدّموا لهم أقصى ما يمكنهم تقديمه، لانتشال من سار منهم في طرق الغواية والحيلولة بين المذبذبين وبين سلوكها.

آن الأوان للآباء –خاصّة- أن يتّقوا الله في أبنائهم الشّباب، ولا يتركوهم يكابدون صعوبات الحياة وحدهم وهم تقدرون على مساعدتهم، ولو بالكلمة الطيّبة، كيف لو كان في إمكانهم مساعدتهم ممّا وسّع الله عليهم فيه من أرزاق.. والله إنّنا لنأسف أشدّ الأسف عندما نسمع عن آباء يتقاضون أموالا مجزلة، ويدّخرون في حساباتهم البنكية مئات الملايين بل ربّما يدّخرون في حساباتهم الملايير، ومنهم من يستفيد من الفوائد الربوية وينفقها، ويترك أمواله في الحساب مدّخرة لا يمسّها ولا يقربها.. ويرى أبناءه يعانون ويكابدون مشاقّ الحياة، ولا يقدّم لهم يد العون والمساعدة.. يرى أبناءه من دون عمل يعانون البطالة ولواحقها وربّما يراهم يسلكون سبل الغواية ولا يطرف له جفن!

مقالات ذات صلة