الرأي

شرطة دايتون أخرى في غزة!

حسين لقرع
  • 567
  • 0

شرعت مصر منذ أشهر في تنفيذ خطة لتدريب نحو 5 آلاف شرطي فلسطيني استعدادا لإرسالهم إلى غزة لحفظ الأمن فيها فور التوقُّف التامّ للحرب، وفق وزير خارجيتها بدر عبد العاطي، في حين قال ضابط فلسطيني لوكالة الأنباء الفرنسية، إنّ مصر درّبت بالفعل دفعة من 500 شرطي في مارس الماضي، وهناك دفعة أخرى من مئتي شرطي تدرِّبها منذ شهر سبتمبر، وذلك بالتنسيق الكامل مع السلطة الفلسطينية في رام الله.

ودِدنا لو اقتصر دورُ هذه الشرطة الفلسطينية على القيام بمهامها القانونية وحفظ الأمن في القطاع، وفصائلُ المقاومة في غزة لا تعترض على ذلك، وقد وافقت على نشرها خلال جلساتٍ بين شتى الفصائل عُقدت بالقاهرة في الأشهر الماضية لدراسة “اليوم التالي للحرب” في إطار المصالحة الوطنية وبعيدا عن التصوّر الصهيوني – الأمريكي المشترك، لكن يبدو أنّ السُّلطة الفلسطينية في رام الله لا تريد الخروج عن هذا التصوُّر ولو كان ضدّ المصلحة الفلسطينية ويؤدِّي إلى تكريس الانقسام والعودة إلى صدامات 2007 مجدَّدا، وكأنّها لا تستفيد شيئا من عِبر التاريخ ودروسه.

يكفي فقط أن نتأمَّل في ما قاله هذا الضابط الفلسطيني لوكالة الأنباء الفرنسية بالحرف الواحد: “التدريب شمل محاضراتٍ أمنية وسياسية، نظرية تناولت تبعات هجوم “حماس” في 7 أكتوبر 2023 على (إسرائيل) والأضرار على القضية الفلسطينية”؟! أليس هذا مثيرا للريبة والقلق؟ هل تُدرَّب الشرطةُ الفلسطينية على كيفية حفظ الأمن في القطاع أم على كُره “حماس” والمقاومة؟ ولماذا تصرُّ رام الله على تجريم “طوفان الأقصى” وهو الذي أحيا -برغم كلِّ الخسائر والمآسي- القضية الفلسطينية وأعادها إلى واجهة أبرز الأحداث في العالم ودفع أخيرًا عشرات الدول إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي تحلم سلطة رام الله بقيامها وفاوضت الصهاينة 32 سنة كاملة لإقناعهم بها، بلا جدوى؟ هل كانت السلطة الفلسطينية ستعود أصلًا إلى غزة لولا غزوة 7 أكتوبر المباركة؟!

والأغرب ممَّا سبق أن تتناول المحاضرات خلال التدريب ما سمّته “تبعات هجوم 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل”، ومثل هذه “التبعات” لا يتناولها بالدراسة والتحليل سوى الصهاينة أنفسهم، وهم يُنشئون لها لجان تحقيق ويصدرون عنها دراساتٍ وتقارير كل يوم، لأنّها تعنيهم وحدهم، فما علاقة السلطة الفلسطينية بما ألحقه الهجوم من خسائر جسيمة بالاحتلال وتداعياتٍ لا يزال يعاني آثارها إلى اليوم؟! هل تحوَّلت إلى محاميةٍ له؟!

الواضح أنّ سلطة رام الله تريد استغلال هذه المرحلة الحرجة من أجل العودة مجدَّدا إلى غزة التي أخرِجت منها في 2007، بعد صدامات دامية مع “حماس” بسبب إصرارها على “التنسيق الأمني” مع الاحتلال ضدّها، لكنّ المشكلة أنّ السُّلطة لن تعود في إطار مشروع مصالحة شاملة مع “حماس”، وبالتنسيق الكامل معها، بل بالتنسيق مع “قوات حفظ الاستقرار الدولية” المنتظر دخولها إلى القطاع ابتداء من جانفي 2026، ويبدو أنّها ستستقوى بها هذه المرَّة على “حماس”، بل ستساعد هذه القواتِ الدولية، وأغلبها عربية وإسلامية، في عملية نزع سلاح الحركة وبقية فصائل المقاومة، ومن ثمّ تصفية حساباتها معها والتي بقيت عالقة منذ 2007 إلى اليوم.

وانطلاقًا مما سبق، فإنَّنا سنشهد شرطة دايتون أخرى في غزة هذه المرة، تكون شبيهة بالشرطة التي أشرف عليها الجنرال الأمريكي كيث دايتون في الأردن بعد فوز “حماس” بانتخابات 2006، ودرّبها على كيفية ملاحقة عناصر المقاومة في الضفة الغربية في إطار “التنسيق الأمني” مع الاحتلال الصهيوني، وهو “التنسيق” الذي أفضى عمليًّا إلى إضعاف المقاومة بشدّة في الضفة وحتى القضاء عليها في بعض الفترات، لكنَّها كانت تنبعث كالعنقاء من تحت الرماد في كلِّ مرة وتعيد بناء صفوفها وتواصل مواجهة الاحتلال في جنين وطولكرم ونابلس ومناطق أخرى إلى اليوم برغم كلّ الخسائر التي مُنيت بها.

هي إذن شرطة دايتون جديدة، لكنّ الفارق هذه المرة أنّ ضبَّاطا مصريين يشرفون على تدريب 5 آلاف عنصر منها في مصر بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، في حين سيقوم الاتحادُ الأوروبي بتدريب 3 آلاف منهم في بلدٍ عربي آخر، حسب ما تسرَّب من أنباء، وفي جميع الأحوال، فإنَّ المَهمَّة واحدة وهي مساعدة القوات الدولية على محاولة نزع سلاح المقاومة في غزة.

يبدو أنّ سيناريو صدامات 2007 سيتكرّر مجدَّدًا، والاحتلالُ سيكون مرّة أخرى الرابح الأكبر، وسيكتفي بالتفرُّج من بعيد على اقتتال الفلسطينيين وتكريس الانقسام والعداوة بينهم.. ونأمل أن نكون مخطئين.

مقالات ذات صلة