الرأي

شرقية وغربية‮.. ‬إلى‮ ‬يوم الدين

إلى زمن‮ ‬غير بعيد،‮ ‬كانت الصيحة التي‮ ‬يتغنى بها المسلمون،‮ ‬في‮ ‬مختلف بلاد العالم،‮ ‬هي‮ ‬أنه لا‮ ‬غربية ولا شرقية،‮ ‬وإنما هي‮ ‬إسلامية‮. ‬وبقي‮ ‬هذا الشعار للاستهلاك فقط،‮ ‬وحتى إذا اختلف المسلمون،‮ ‬فخلافهم بين مرتم في‮ ‬أحضان الشرق،‮ ‬مدعم لتدخل الاتحاد السوفياتي‮ ‬في‮ ‬أفغانستان مثلا،‮ ‬أو مرتم في‮ ‬أحضان الغرب،‮ ‬مبتهج باحتلال الولايات المتحدة لأفغانستان،‮ ‬بل إن مختلف الحروب العربية والإسلامية الإقليمية أو الحروب الأهلية التي‮ ‬مزقت العالم الإسلامي،‮ ‬كانت إما لإعلاء كلمة الشرق أو الغرب،‮ ‬خدمة لهذين المعسكرين،‮ ‬وتجريب أسلحتهما في‮ ‬شعوبهم،‮ ‬بحجة الانفتاح والديمقراطية لاتباع الغرب،‮ ‬أو عدم الانحياز الذي‮ ‬هو في‮ ‬الواقع انحياز إلى الشرق،‮ ‬ومع ذلك،‮ ‬بقي‮ ‬الأمل في‮ ‬أن‮ ‬يتحقق الشعار،‮ ‬وتصبح لنا بلدان وشعوب لا شرقية ولا‮ ‬غربية،‮ ‬وإنما تنتمي‮ ‬إلى حضارتها‮.‬

لكن ما نشاهده حاليا في‮ ‬سوريا،‮ ‬هو صيحة أخرى ولكن بالمقلوب،‮ ‬فهي‮ ‬شرقية وغربية،‮ ‬وليست إطلاقا إسلامية،‮ ‬بأسماء تبدو بعناوين الحرية والإسلام والعروبة،‮ ‬ولكنها تفتح أبواب عاصمة الدولة الأموية على مصراعيها للغرب وللشرق،‮ ‬وقد‮ ‬يتحقق لأول مرة في‮ ‬التاريخ المعاصر،‮ ‬الاتفاق الذي‮ ‬لم‮ ‬يتحقق في‮ ‬أي‮ ‬بقعة من العالم،‮ ‬وهو وحدة الولايات المتحدة الأمريكية مع روسيا لقصف مختلف المنشآت ومختلف الفصائل ومختلف الكنوز في‮ ‬قلب سوريا،‮ ‬وسيكون لروسيا بعد الانتهاء من الدمار جزء من سوريا،‮ ‬ويكون لأمريكا طبعا الجزء الآخر‮.‬

سنتفق مع الجميع بأن للنظام السوري‮ ‬ذنبا في‮ ‬الذي‮ ‬يحصل لسوريا،‮ ‬التي‮ ‬تحوّلت إلى حقل لتجريب مختلف الأسلحة من أمريكية وفرنسية وروسية وإيرانية،‮ ‬وحتى‮ “‬داعشية‮”‬،‮ ‬ولكن الذين ألهبوا النار وصمّموا على إسقاط بشار الأسد بكل الطرق،‮ ‬وبكل الوسائل الممنوعة والمحرّمة،‮ ‬من عرب ومسلمين،‮ ‬لهم الذنب الأكبر في‮ ‬أن تصل بلاد الأمويين إلى هذا المستوى من الدمار التاريخي‮ ‬والجغرافي،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يترك موقعا سياحيا أو أثريا أو صناعيا أو‮ ‬غابيا إلا ودمّره،‮ ‬باستثناء هضبة الجنوب،‮ ‬حيث‮ ‬يطل الصهاينة من نافذتها،‮ ‬يتفرجون على ما حققوه من نصر في‮ ‬حرب ضد العرب،‮ ‬لم‮ ‬يشاركوا فيها،‮ ‬ولم‮ ‬يبذلوا فيها قطرة من الدم،‮ ‬ولا حتى من العرق‮.‬

وإذا كان الخبراء الصهاينة بعد انتهائهم من حرب تموز أمام حزب الله في‮ ‬عام‮ ‬2006،‮ ‬قد تحدثوا عن تخلفهم بثلاثين سنة بعد الحرب،‮ ‬فإن الدمار الذي‮ ‬أتى على سوريا،‮ ‬بعد أن اتحد كل العالم وتسابق على قذف ما‮ ‬يمتلك من أسلحة قرُب انتهاء صلاحيتها على دمشق واللاذقية،‮ ‬سيقاس بعشرات القرون وليس بالسنوات‮.‬

والطامة الكبرى،‮ ‬أن أبواق أمريكا تطالب برد الاعتبار للغرب،‮ ‬ولأوباما في‮ ‬الدمار السوري،‮ ‬وأبواق روسيا فرحة بما تحققه بلاد بوتين من نار ودماء،‮ ‬بعد أن انسحبت تركيا وإيران،‮ ‬واتضحت محدودية تأثيرهما في‮ ‬عالم‮ ‬يرسم ملامحه الأقوياء،‮ ‬ويكتفي‮ ‬آخرون بالمساعدة فقط‮.‬

هناك صورتان محتملتان،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تكون لسوريا ملامح أخرى‮ ‬غيرهما،‮ ‬فإما أن تتحد الولايات المتحدة مع روسيا لأجل رسم سوريا الجديدة،‮ ‬كما‮ ‬يريدانها قسمة بينهما،‮ ‬وستكون بذلك نهاية أبدية لبلد التاريخ والجمال سوريا،‮ ‬وإما تناحرهما على أرض سوريا،‮ ‬بحثا عن رسم في‮ ‬مخيلة هذا الطرف أو ذاك،‮ ‬وستكون بذلك أيضا نهاية أبدية لبلد التاريخ والجمال سوريا‮.‬

مقالات ذات صلة