شركة إيطالية تُخفي تشققات بأضخم جسر للسكة الحديدية في إفريقيا
تتواصل فضائح الشركة الإيطالية كوندوت المكلفة بإنجاز خط السكة الحديدية المكهربة في شقها الرابط بين وادي تليلات والحدود الجزائرية المغربية، لتتعدى هذه المرة المعقول، حيث تحصلت “الشروق” على صور ووثائق مدعومة بشريط فيديو يظهر تجاوزات وغشا كبيرا في التسليح، تتقاسم مسؤوليته الشركة الإيطالية باعتبارها المسؤولة الأولى عن إنجاز هذا المشروع وعدد من الإطارات الجزائريين الذين كلفوا بمتابعة الأشغال.
يكشف الفيديو والصور، التي التقطها أحد العمال خفية، استعمال خرسانة تركيبتها مغشوشة وحديدا قطره 25 ملم عوض 32 ملم لتشييد قاعدة أحد جسور القطار الضخمة، حسب ما كشف عنه عمال تحدثت إليهم “الشروق”، حيث لم تمر إلا أشهر قليلة حتى انكشفت عيوب هذه الخرسانة وظهرت فيها تشققات خطيرة باتت تهدد بإمكانية انهيار أعلى جسر في إفريقيا في السنوات المقبلة. هذا الجسر الذي يتعدى طوله 130 متر، وسيحمل قاطرات كهربائية ضخمة سرعتها 220 كلم في الساعة.
ويتطلب تسليحا وضغطا إسمنتيا عالي القوة، لم تكلف الشركة عناء لإعادة تشييد قاعدته من جديد واستعمال خرسانة مطابقة للمواصفات، بل راحت تتستر على الشقوق والتصدعات بطلاء طبقة خفيفة من غراء الإسمنت بواسطة مكانس يدوية على القاعدة وعلى جوانب الأعمدة.. في مشهد خطير وكأن الأمر لا يتعلق بمشروع ضخم رصدت له ميزانية تفوق أكثر من 140 مليار دينار .
الإسمنت يسرق ليلا ويعاد بيعه بأضعاف ثمنه
“فضيحة بجميع المقاييس قد تعيد سيناريو الطريق السيار من جديد إذا لم تحرك الوزارة ساكنا…” هكذا عبر العمال، الذين كانوا قد كشفوا عديد التجاوزات بالدليل قبل أن يجدوا أنفسهم مفصولين من عملهم رغم قرارات المحكمة القاضية بإعادتهم إلى مناصب عملهم تحت غرامة مالية تهديدية تقدر بـ5000 دج سارية منذ تاريخ التوقيف، غير أن الشركة تواصل تماطلها دون أي تدخل من أي جهة رسمية لإرغام مسؤولي الشركة على تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية تجاه المشروع وتجاه 40 عاملا. فبالعودة إلى تفاصيل فضيحة الغش في أشغال التسليح التي أعقبتها سلسلة من الفضائح تتعلق بنهب الإسمنت ليلا وإعادة بيعه بأثمان مضاعفة وسرقة الحديد، وغيرها من التجاوزات التقنية التي فجرها العمال، كان قد نتج عنها إيفاد لجنة تحقيق من قبل وزارتي النقل والعدالة في جويلية المنصرم- يقول أحد العمال- غير أن هذه اللجنة “لم تتقص في الوضع ولم تصغ إلى العمال ولم تتوقف على الدلائل التي كنا نحوزها واكتفت بسماع أطراف من الإدارة وتوقيف بعض المسؤولين المتورطين دون أن تقوم بإرغام الشركة على إعادة هدم الخرسانة المغشوشة أو على الأقل، تقديم ضمانات لـ10 سنوات في حالة حدوث أي تصدعات أو انهيارات”.
يحدث هذا في الوقت الذي يؤكد فيه العمال أن التجاوزات والغش في التشييد لا يزال متواصلا إلى حد الآن، متهمين المراقبين التقنيين والمسؤولين المكلفين بالمتابعة التقنية بالتواطؤ.
الإهمال يتسبب في مقتل عامل
يضيف العمال في تصريحاتهم لـ “الشروق”، أن التواطؤ لم يقتصر فقط على الأشغال وإنما حتى في حادثة مقتل أحد العمال داخل آلة لخلط الخرسانة التي حولته إلى أشلاء، مؤكدين أن سببه المباشر كان عدم صيانة الآلة لمدة طويلة عكس ما أفادت به نتائج التحقيق أن الحادث قضاء وقدر. وهي الحادثة التي دفعت بأهل الضحية إلى رفع شكوى ضد الشركة لا تزال لم تفصل فيها العدالة. وهذه- يضيف العمال- واحدة من 300 قضية مرفوعة ضد الشركة التي يجب الوقوف على خلفياتها الحقيقية.
وقد حمل العمال رئيس المشروع ما يجري من تجاوزات في مشروع من المفروض أنه يحمل اسم مشروع القرن لما يتسم به من أهمية اقتصادية وضخامة، مطالبين في نفس الوقت مكاتب المتابعة التقنية المرافقة لرئيس المشروع “أورو كود” و”لاناسريف” بتبريرات لتغطية الأرضية بغطاء أبيض حتى لا تبقى آثار الأقدام فوق الغطاء الإسمنتي الذي تمت إضافته بعد التشققات؟؟ ولماذا لم يتم هدم الخرسانة من جديد وتعويضها بأخرى تركيبتها مطابقة للمواصفات؟؟ مطالبين وزارة النقل بإيفاد لجنة تحقيق ثانية قبل فوات الأوان. وتساءل العمال “عما إذا كان لهذه الشركة الإيطالية “العالمية” أن تفعل ما فعلته بإيطاليا أو إحدى الدول الغربية لولا وجود بيئة فاسدة- حسبهم- تبرر تحايلهم وتطرد أي عامل يجرؤ على انتقادها؟..”.
الإدارة تنفي اتهامات العمال
ولتوضيح الصورة أكثر وأخذ رأي الإدارة والقائمين على مشروع خط السكة الحديدية المكهرب ربطت “الشروق” اتصالا هاتفيا بمكتب مدير المشروع ببلعباس السيد بشارف، حيث كشف هذا الأخير أن ما يسميه العمال بالأدلة على وجود تشققات في جسور السكة الحديدية ما هو إلا صور تشققات حدثت في الواجهة وليس العمق، متسائلا عن رتبة هؤلاء ومستواهم الدراسي والمهني الذي يسمح لهم بتوجيه انتقادات عن نوعية الإسمنت أو نوعية الأشغال، مضيفا أنه فعلا كانت قد حلت لجنة من وزارتي العدل والنقل وقد وقفت على أشغال هدم جزء من القاعدة الذي تعرض لتصدعات كبيرة، نافيا أن تكون الشركة قد قامت بالتمويه على التشققات وإنما قامت بطلاء غراء إسمنتي أو ما يسمى بمادة “جيوتكستيل” لخفض حرارة الخرسانة حتى لا يقع مزيد من التشققات، معتبرا أنها تشققات قابلة للتصليح.
وأضاف أنه تم أخذ عينة من الخرسانة وفحصها بواسطة الضغط لمدة من 7 إلى 28 يوما وتبين أن الأثر موجود في الواجهة فقط وليس في هيكل المشروع. وأكد محدثنا أن المشروع جارية به الأشغال على ما يرام، نافيا أي تجاوزات يتحدث عنها العمال، معتبرا ما يقوم به العمال تشويشا وشوشرة لإعادتهم إلى مناصب عملهم…”. وللإشارة، فإن لجنة التحقيق التي حلت بعد مراسلات العمال أفضت إلى توقيف مهام مسؤولين إيطاليين اثنين، ومسؤولين بمصلحة المستخدمين ببلعباس وتلمسان، لأسباب غير معلنة.