شروط الانتماء تكلف الناس أخلاقهم ومبادئهم
تسير فئة لا بأس بها من عوام المجتمع الجزائري، نحو تبني التفاهة كنمط حياة، ويكون هؤلاء حيزا بشريا يقصى منه كل من لا يتكلم في نميمة أو قذف، ولا يتوغل في أعراض الناس.. ظاهرة يزداد تفشيها من الأماكن العامة والمقاهي والحمامات، إلى البقاع الموقرة، كالمساجد وأماكن العمل ومجالس العلم.. وحتى داخل الأسر الصغيرة، يمكن للمجموعة عزل فرد يتحلى بالجدية ويسير وفق المبادئ والقيم الأخلاقية.
تأثير المواقع على الواقع
أصبح الأفراد الذين يتمتعون بقدر من الوعي والثقافة يجدون صعوبة بالغة في إيجاد جماعات مريحة لهم، فلا يشعرون في الكثير من الأحيان بالانتماء إلى محيطهم، رغم كونهم أشخاصا عاديين ومتواضعين.. لكنهم، لا يلقون القبول لكونهم لا ينزلون إلى مستوى مواقع التواصل وفضائحها، ولا يناقشون حياة من اشتهروا بالتفاهة والانحطاط، وكونهم لا يعرفون شيئا عن هؤلاء، سيجعلهم يواجهون مشاكل في التواصل مع أقرانهم. هي حال نزيم، صاحب 38 سنة، يمتلك هاتفا ذكيا من آخر الإصدارات، ويستعمل كل مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة تقريبا، غير أنه، على حد قوله: “لا أعرف المؤثرين والمؤثرات، ولا تستهويني حياتهم المزيفة أبدا.. أجد أن متابعتهم مضيعة كبيرة للوقت. لكن، حتى وإن كان الأمر إيجابيا بالنسبة إلي، سبب لي مشاكل مع الأصدقاء والزملاء، الذين أصبح حديثهم اليومي يتمحور حول أبطال الإنترنت، يستشهدون بهم ويتبعونهم في كل ما يروجون له، حتى إن هؤلاء أصبحوا قدوة للكثير من معارفي، مثقفين كانوا أم من غير ذوي المستوى التعليمي العالي، وعلى اختلاف وضعهم الاجتماعي أيضا، وكأنهم قطيع يساق.. هذا الأمر، جعلني أكتفي بصديق أو اثنين. نجلس بعض الوقت معا للحديث عن حياة الواقع، أشعر بأن المجتمع أصبح مزيفا وتافها”.
الأمر ذاته، تواجهه سميرة، 29 سنة، خبيرة تأهيل لدى مستشفى خاص بالعاصمة: “الوقت الذي أقضيه على الإنترنت يكون بين الاطلاع على فيديوهات تتعلق بعملي أو قنوات طبخ وحلويات.. وأتعلم اللغات من تطبيقات قيمة. لهذا، يبدو للجميع أنني متعلقة بهاتفي، ما جعل زميلاتي في العمل يسخرن من كوني لا أعرف مشاهير الأنستغرام واليوتيوب.. وكلما أبديت دهشتي من درجة انحلال بعض المؤثرات أو زيف حياتهن عندما يتحدثن عنها، تتهمني الزميلات بالمبالغة ويصفنني بالمعقدة، وأصبحن يغيرن المكان كي لا يقاسمنني أحاديثهن.. لقد عزلنني، بسبب اختلاف ميولاتي واهتماماتي..”
المواضيع التافهة والخوض في حياة الآخرين من شروط الاندماج الاجتماعي
من أجل الانتماء إلى الجماعة وكسب ود ورضى المحيطين، قد يقبل الكثير من الأفراد على تبني عادات سيئة لا تتوافق مع أخلاقهم وتربيتهم، فيتكلمون الكلام الفاحش، لأنه الأسلوب المعتمد في الجماعة، ويغشون في العمل، لأن الجماعة تفعل ذلك، وليس من صالحها أن يكون فيهم فرد مخلص، قد يخوضون في أعراض الناس، كما يفعل الآخرون، لأنه موضوع اجتماعهم.. وقس على ذلك، من التصرفات التي تصنع ثقافة اتباع القطيع، وانتشار الفساد، الواقع المشترك، ومعاناة شرائح المجتمع من الآفات ذاتها، منها ضعف الوازع الديني، ووجود أوقات فراغ كثيرة، يدفع الناس إلى تقاسم طباع جديدة والتواضع حولها حتى رغم عدم اقتناعهم الكامل بها.
خسارة المجتمع مقابل ربح الذات
بفعل انتشار سياسة القطيع الفاسد، تصبح العادات السيئة سائدة ومتوارثة، حتى يراها الناس أمرا عاديا ونمط حياة. أما الفئة التي تختار التشبث بالخلق السوي وعدم اتباع انحراف الآخرين، حتى وإن بقيت وحيدة على الطريق الصحيح، عادة ما تعاني من مشاكل على جميع الأصعدة، ويتم إقصاؤها اجتماعيا، فينبذها الزملاء، لأنها لا تمثل فسادهم، وبعملها السوي، قد تسلط الضوء على تقصيرهم، ولا ترحب بها العائلة والأصدقاء، لكونها لا تأتي بالجديد ولا تشارك في أحاديث الغيبة والنميمة.. وبهذا، تخسر الشخصية التي لا تنتمي إلى القطيع جوانب مهمة من حياتها الاجتماعية، بينما تتمتع بسلام وتصالح مع ذاتها.