شعبوية شهود الزور!
استفسارا على عمودك المعنون بـ:”ابك يا بومدين”، أردت أن أقول إنه بالرغم لما يحدث لمركب الحجار من مشاكل وتناحرات شخصية، إلا أني من الناس الذين لا يصدقون أنه كان صرخا شامخا، اللهمّ إلا في الخطابات الشعبوية في سنوات السبعينيات والثمانينات.
..لأن من يكون شامخا تكون الدولة هي التي تستفيد منه وليس الدولة هي من تقدم له ميزانية كل بداية سنة، وهذا منذ تدشينه في العام 1969 بشهادة وزير المالية آنذاك، عندما سئل عن الحجار فأجاب بأنه سيكون عبءا ثقيلا على الخزينة العمومية، وبعد بضعة أيام من هذا التصريح، تمت إقالة الوزير بحجة “…الديانة”، وكأنهم يوم كلفوه بالوزارة لم يكونوا على علم بديانته، أم أن المقصود بالشموخ هو الأكبر في إفريقيا، لأنها كانت موضة في ذلك الوقت بالأكبر والأعظم، ولكن المردود الاقتصادي كان الأضعف، ولا تقل سوء التسيير لأنني سأقول لك: لم تعرف الجزائر زمن جميل إلا في الخطابات الشعبوية.
كريم
..والله، يا سي كريم، وأظنك واحدا من “شهود الحق” على الزمن الجميل الذي راح ولا يُريد أن يرجع، لقد حاولت أن تكفكف دموع بومدين وهو في قبره، لكنك جعلت كلّ قارئ لردّك المفحم يذرف بدل الدمع دما!
عندما تقول بأن الحجار وأمثاله لم يكن أبدا صرحا شامخا إلاّ في الخطابات الشعبوية، فهذا يجعلنا لا نبكي فقط، ولكن علينا أن نحزن كلّ الدهر على “الأكذوبة” الكبيرة التي عشناها لعدّة سنوات، حتى وإن كانت جميلة وبكلّ ألوان قوس قزح!
قد تكون يا سيّ كريم، من الرعيل الأول، وأنت من ذكر مثال الوزير الذي تمّت إقالته بسبب قوله”الحقيقة” وتغريده خارج السرب، لكن ألا تعتقد، أن”الكذبة البيضاء” تصبح في بعض الظروف حتمية لتفادي الأسوأ وتجنـّب الأخطر وتسيير مرحلة حرجة لا تسيّر إلاّ بالعقل والحكمة، وليس بـ”الحقيقة” التي قد تذهب بنا جميعا إلى الجحيم والعياذ بالله؟
..وإن كان الحجار حسب شهادتك لم يكن صرحا، فأعتقد أنك لا تستطيع يا أخي كريم، أن تنفي عزة النفس التي صنعها أمجاد مثل هذه”الصروح” حتى وإن كانت من باب التضخيم والتهويل ومنطق “يخلع سعيد من بعيد” أو عقلية “حوحو يشكر روحو”!
نعم، شعبوية “شهود الزور” قد تضرّ ولا تنفع، لكن لا أحد يُمكنه أن ينكر تلك الفوارق، وكيف كانت الصروح وكيف أصبحت، ولعلّ تحويل مركّب الحجار الذي “تكفر به” وهو في نظرك “كذبة” من “أكاذيب” الزمن الجميل، تحويله إلى “وصاية” ورعاية الشريك الأجنبي جعله “فيلما هنديا” بامتياز!
إن الانتقال من مرحلة تضخيم الصروح، إلى مرحلة تضخيم الخدع السينمائية، هو الذي انتهى بآلاف الشركات العمومية إلى مقبرة الخصخصة وتسريح العمال وتشريد عائلاتهم وقطع أرزاقهم، وهي المصيبة التي لم يُعزل أو يستقيل بسببها أيّ وزير، عكس الوزير الذي تمّت إقالته عام 69 لأنه اعتقد بأنه سيحمل الحجار فوق كتفيه!