شعب متميز بامتياز!
الجزائر، عادة ما كنا نعتبرها “حالة” خاصة في كل التجارب وسباقة في كل أشكال التحارب والعنف والسلم والبطولات والخشونة! حتى أننا صرنا نموذجا لذلك، يصدر تجاربه للآخر في أكثر من مجال! صدرنا الإرهاب كما قيل، وصدرنا تجربة السلم أيضا: التجربة الأمنية وتجربة السلم والمصالحة! ولعلنا نصدر مستقبلا تجارب أخرى اقتصادية فكرية..!
لماذا هذه الخصوصية الجزائرية؟ السبب قد يعود إلى قرون من التشكل الثقافي الذهني. فقد شكلت التركيبة الاجتماعية الجزائرية المطعمة بكل أنواع المحصول الثقافية والحضارية، عجينه حضارية منسجمة ظاهريا، متناقضة ومتصارعة داخليا. فبنفس قوة معادلة الدفع، كانت محاولات رد الفعل. ولم يكن ذلك بالتأكيد بنفس الأدوات ولا بنفس القوة والأسلوب، ولكن بحجم المعادلة المتاحة. فالرفض والمقاومة التي اتسم بها الجزائري على مر الأزمنة، ينبع من رفضه العلني والمبطن للآخر وتشبثه بالإنية الجماعية.
هكذا كانت المقاومات الجزائرية ضد الامتداد والتوسع الروماني – البيزنطي وردود الأفعال المختلفة والمتميزة أمام الفتح الإسلامي بين القوى المتحالفة مع القوة البيزنطية والقوى المعارضة لها. وهكذا كان التعارض والتجادب لهذه القوى تحت سلطة المسلمين الفاتحين، ثم تحت حكم الأمويين وولاتهم على شمال افريقيا الذين كانوا سببا في ظهور طائفة الخوارج وسقوط سلطة بني أمية، ثم هكذا، كان سقوط دويلات الخوارج الصفوية والإباظية وقيام الخلافة الفاطمية الجعفرية كتتويج لخلاف سياسي تاريخي. وبنفس المنطق التاريخي والسوسيولوجي، كان قيام دولة المرابطين والموحدين والأدارسة في المغرب، ثم سقوط الأندلس وحملة التعقب الصليبية المسيحية ممثلة في “الروكنكيستا”. وبنفس القانون الخلدوني، كان بروز الدويلات الثلاث المتصارعة. وبنفس الدواعي السياسية المصلحية، كانت التحالفات مع اسبانيا المسيحية ضد الأتراك “الحماة” مع الحفصيين وآخر ملوك بني زيان وصراع العائلات الشريفة العلوية والسعديين والزوايا الإدريسية ضد البرتغال. وبنفس الدواعي أيضا كان خلاف حول طبيعة قبول “الحماية التركية” والتحالفات الظرفية والإستراتيجية مع الإمبراطورية العثمانية أمام الإمبراطورية الصليبية. ولنفس الظروف، وبنفس القوانين، كان التحالف والصراع في نفس الوقت مع السلطة الإستعمارية الفرنسية بعد سقوط دولة الحماية.
كان هذا على المستوى الاجتماعي التاريخي، أما على المستوى السيكولوجي، فإن نزعة الجزائري الليبرالية، كانت تفرض عليه نمطين سلوكيين: “التعامل مع” أو “التعامل ضد”، وبين النمطين، حالة سيكولوجية ثالثة ممثلة في الموقف “اللافعل”: أنتظر وراقب (Wait and see)، وهذا في كل الأحوال. وعليه، سوف نجد عنصر المقاومة حاضرا في كل أشكال المواقف، في كل أنماط التموقع، غير أن هذه المقاومة تختلف شكلا كما تختلف مضموما حسب طبيعة ونمطية معتنقها ومتغيرات الموقف والموقع. وهكذا سوف نميز بين ثلاثة أشكال من المقاومات من الاستعمار الفرنسي.
هكذا كان عامل الحرب الفرنسية البروسية عاملا مساعدا لبروز بعض الانتفاضات الشعبية، لكن نهايتها كان عاملا مؤثرا في انكسار شوكة هذه المقاومات: المقراني، الحداد، بوعمامة مثلا، وهكذا أيضا، و قدر ما كانت الحرب العالمية الأولى وبالا على الشعب الجزائري وعلى الأمة الإسلامية برمتها، بقدر ما كانت عاملا مساعدا لبروز مواقف التجذير الوطني في حركة الشباب الجزائري وحركة الأمير خالد في مطالبها “الديمقراطية”.
ثم هكذا، وبقدر ما كانت الحرب العالمية الثانية ونتائجها كارثة على الشعب الجزائري، فإنها كانت الفتيل الذي أوقد نيران الغضب وجذوة الوطنية والنزعة الاستقلالية، حتى لدى فئة من سموا بالاندماجيين وأنصار “المقاومة – الحوار”. فالمقاومات بأشكالها وأنواعها وأنماطها السوسيو- ثقافية، لم تتوقف يوما عن محاولة التعبير عن علة ذاتها وعن غاية ذاتها.
الجزائري، هو هكذا: يرق ويخشن، يستسلم ثم ينتفض، يهدأ ثم يصخب.. لأنه من طينة التاريخ العريق في الانفاضات والثورات من أجل السلم والاستقلالية! أولسنا أمازيغ؟ أي أحرار؟