شقشقة بعير هدرت ثم ردت
لأن شهر يناير كان شهر ثورات الربيع العربي وإسقاط الرؤوس النافقة منذ ثلاث سنوات، فقد اختارته جهة مديرة ما، ليكون شهر إغلاق فصل الربيع العربي الافتراضي في فصل الشتاء الطبيعي.
إغلاق الربيع العربي الافتراضي بدأ بالملف السوري، الذي نقلت ملفاته الساخنة الدامية لتبريدها في جينيف. فيما نقلت لنا نفس الفضائيات صورا لنفس ميدان التحرير الذي أسقط مبارك، وهو يهتف بحياة العسكري الذي أسقط أول رئيس منتخب أنجبته ثورة يناير، وحتى تكتمل الصورة فقد أطلق المجلس التأسيسي التونسي أخيرا سراح الدستور المنتظر.
المشهد بالجملة تعليمي تثقيفي للغاية، لمن أراد من العامة أن يعلم كيف تعبث به النخب وأدوات إدارة وتحريك الشعوب الغافلة، كما يقاد القطيع من بهيمة الأنعام.
ولك أن تتفهم الحالة الهستيرية التي ظهر بها الرئيس المصري المعزول أمام قضاته، في ثاني محاكمة لرئيس يعزله ثوار العسكر، وهو لا يصدق كيف حصل ما حصل له وللجماعة، على يدي الفريق السيسي، الذي رقي قبل يوم إلى مشير، تمهيدا لحمله على الأعناق إلى قصر الاتحادية.
صورة الرئيس المعزول مرسي ورفاقه من قادة الإخوان، ليست جديدة، ولا فريدة، ولا يبدو أنهم قد تعلموا الكثير من محنهم السابقة مع النظام المصري، وكيف أمنوا شر العسكر، ودهاء الدولة الفرعونية العميقة التي لم تخرج من قبضة العساكر، لا مع رمسيس الأول، ولا مع محمد علي، حتى تسلم لقيادة إخوانية لم تتعلم السياسية في ثمانين سنة من التربص.
الآن وقد أغلقت ملفات الربيع العربي، واقتنع الجميع، أو على الأقل من سلم من عمليات القصف الإعلامي المروع، الذي خضعت له الشعوب العربية في السنوات الثلاث الأخيرة، يفترض ببعض نخبنا أن تختار لنفسها هدنة لجرد الحساب، وإعادة التفكير في البدائل المتاحة، وتنظر بعقل بارد إلى مغانم ومغارم هذا الحراك الشعبي الغوغائي الذي فشلت في إدارته مجتمعة: إسلاميين وقوميين، ليبراليين واشتراكيين، كما فشلت فيه الشعوب، التي ما زالت تقاد بخطاب ثوري أحمق من منابر القنوات التلفزيونية، أو منابر المساجد.
البدائل ليست كثيرة، ما دام التغيير عبر المسارات الانتخابية ممتنعا، كما هو ممتنع عبر التغيير الثوري، أو عبر هذه الحركات الجهادية الموجهة عن بعد، بل لم يبق سوى خيار واحد أمام النخب والشعوب، يبحث بجدية في السبيل الذي اختاره الحسن سبط الرسول- صلى الله عليه وسلم- حين آثر أن يتخلى عن السلطة، وقد آلت إليه الخلافة، ليحقن دماء المسلمين، وينجز عام الجماعة. وهو الخيار الذي دعوت إليه قبل اندلاع أحداث الربيع العربي وبعده، بالبحث عن توافق واسع مع النخب الحاكمة على مشاريع وطنية، تتوقف عند حماية الأوطان من التفكك، ومن النهب، ومن استباحة سيادتها وأمنها، في انتظار صياغة فكر وطني جديد مبدع، يعمل بين حدود الأصالة المخلصة من التقديس، والانفتاح الحذر على ثقافة الآخر.