شقشقة ملك أسير هدرت ثم ردت
باستثناء فلتتين من سلاطين المغرب عفا عنهما الجزائريون ولم يعف عنهما التاريخ، فإن الأنظمة بالبلدين محكومة بإدارة نزاعاتها بأدوات فن الممكن، لأن الحرب التي هي مواصلة للسياسة بطرق أخرى، خيار يحرمه في الحالة المغاربية العقل السوي، وتمنعه موازين قوة على الأرض تغل أيدي المغامرين
الذين يسارعون اليوم في ركوب مفردات سوء الجوار بين الجارتين: الجزائر والمغرب، لتصنيع ترهيب مستديم للشعب الواحد في البلدين بحرب مؤجلة تستنبت من حرب الرمال، إنما يساقون من حيث لا يحتسبون إلى لعب دور حمالة الحطب للغامرين المندسين داخل أي نظام حكم، ودعاة الحسم بأدوات الحرب المفتوحة، هي في الحالة المغاربية محرمة وممتنعة، يحرمها العقل السوي قبل الشرع السماوي، وتمنعها معطيات على الأرض غالبا ما يصرف عنها النظر من يروج لها وهو راغب فيها أو عنها.
.
الفلتة الثانية من سلاطين المغرب
أقلام من المغرب والجزائر، كما من وراء البحر، انتقلت بين عشية وضحاها من المشاغبة والملاسنة على هامش الأزمة الدبلوماسية التي افتعلها مخزن صاحب الجلالة، وحادثة الاعتداء السافر والسفيه على القنصلية الجزائرية وعلى علم كل الجزائريين، انتقلوا إلى قرع طبول الحرب، وتجييش العامة من شعب البلدين، وكأننا بتنا على أبواب مواجهة عسكرية بين قطبي المغرب العربي، يراد لها أن تنقل لواء اقتتال العرب والمسلمين من بحر العرب شرقا إلى ضفاف بحر الظلمات غربا.
المتابع للعلاقات بين البلدين الجارين يعلم أن حرب الرمال بين البلدين غداة استقلال الجزائر كانت محض فلتة، وقد تكون اندلعت بتحريض مباشر من قوة الاحتلال الفرنسية، التي كانت ترغب في إضعاف الدولة الجزائرية الناشئة، وتليين مواقفها حيال الملفات العالقة بين المحتل السابق والدولة الناشئة، وقد انقاد إليها المغرب بلا حساب لعواقبها على مستقبل العلاقات مع الدولة الجارة، مع ملك شاب حديث العهد بالسياسة، ومخزن وجيش كانا تحت سيطرة مخلفات قوة الوصاية الفرنسية، وأحلام اليقظة لحزب شوفيني مثل حزب الاستقلال، كان برنامجه السياسي قد توقف عند رسم خارطة توسعية للمغرب تمتد جنوبا حتى حدود السنغال، وشرقا لتشمل ثلث ولايات غرب الجزائر.
.
حرب “أمير المؤمنين” على أمير المجاهدين
المقامرة تحولت إلى مغامرة قصيرة النفس، حين تبين لمنظومة المخزن أن المواجهة لن تكون فقط مع جيش التحرير، الخارج من حرب قصم فيها ظهر الإمبراطورية الفرنسية، بل مع شعب بأكمله يكره الحڤرة من الشقيق والجار كراهيته لظلم الاستعمار، فطويت الصفحة حتى وإن كانت مفردات الجرج قد ظلت عالقة في الذاكرة الجماعية للشعب الواحد في البلدين، يشتغل عليها السحرة كلما ساءت العلاقات بين البلدين.
“إذا كانت الحرب هي مواصلة السياسة بطرق أخرى، فهي تعبير عن عجز وقصور الساسة عن تسوية النزاعات بالسياسة، وما هو عالق من نزاعات بين الجزائر والمغرب ليس فوق طاقة أدوات السياسة التقليدية”
لم تكن حرب الرمال خطيئة معزولة في سيرة العرش الملكي، الذي يتحمل مسؤولية تاريخية في تمكين المحتل الفرنسي من مضايقة مقاومة الأمير عبد القادر، ثم محاصرته واعتقاله، فقد دخل سلطان المغرب مولاي عبد الرحمن في حرب مفتوحة مع الأمير عبد القادر، بعد أن بدأ يخشى من اتساع رقعة الموالين من المغاربة للجهاد الذي دعا إليه الأمير عبد القادر المسلمين بشمال إفريقيا، وكسب تعاطف كثير من علماء وفقهاء المغرب ورؤساء القبائل خاصة في المنطقة الشرقية من المغرب، وبلغ الصراع بين السلطان والأمير عبد القادر مبلغا، أجبر الأمير عبد القادر على طلب فتوى من مفتي المالكية بالديار المصرية يستحل دم سلطان المغرب، وحصل على الفتوى التي نشرت نصها منذ سنوات بإحدى الصحف الوطنية، ليكون النزاع بين المغرب والجزائر العائدة عبر دولة الأمير عبد القادر، قد بدأ مع الاحتلال الفرنسي ليتجدد مع استقلال الجزائر، وفي الحالتين كان الشعب الواحد في البلدين بريء منه، راغب عنه وسيظل رافضا لجهود المغامرين داخل النظامين.
.
أطماع توسعية في بلد بلا حدود
يقول كلاوزفيتش مؤسس الفكر الاستراتيجي الحديث: إن الحرب هي مواصلة السياسة بطرق أخرى، وهي تعبير عن عجز وقصور الساسة في تسوية النزاعات بطرق سياسية أقل كلفة بالبحث عن التسويات، وما هو عالق من خلافات ونزاعات بين الجزائر والمغرب ليس فوق طاقة أدوات السياسة التقليدية.
فملف الحدود بين البلدين، هو ملف قد أغلقه القانون الدولي الذي حرم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، كما أغلقته اتفاقيات أيفران، حتى وإن كانت القوى الشوفينية التوسعية في المغرب بقيادة حزب الاستقلال، قد نجحت حتى الآن في منع تصديق البرلمان المغربي على اتفاقية رسم الحدود، وجاء ملف الصحراء ليحول المغرب إلى دولة مثل الكيان الصهيوني، ليس له حدود متفق عليها مع الجيران، ولا ندري كيف يتجرأ المغامرون داخل مؤسسة المخزن وحواشيها على التلويح باستنفار المغاربة لاسترجاع الأراضي التي تكون الجزائر قد اغتصبتها من المغرب، في الوقت الذي فشل المغرب في استرجاع سبتا ومليلية من المحتل الإسباني، ولم تسعفه سنوات من الحرب المفتوحة مع الشعب الصحراوي في حسم النزاع بالقوة الصلبة، واضطر إلى القبول بوقف القتال والدخول في مفاوضات مباشرة مع قيادة جبهة البوليساريو.
.
موازين القوة التي تقيد المغامرين
ثم إن الحرب تحتاج في الغالب إلى طرفين راغبين في الحسم بالقوة، وإلى دوافع موضوعية، وحساب مسبق للمغانم والمغارم، واستشراف دقيق لما بعد المنازلة، وإلا كانت محض مغامرة يعرف روادها كيف تبدأ ولا يعلمون كيف تنتهي. وقد كان بوسع المغامرين في المغرب أن يشعلوا فتيل الحرب بين البلدين في أعقاب رحيل المحتل الإسباني عن الصحراء الغربية، واستدراج المغرب إلى مغامرة المسيرة الخضراء وما رافقها من استفزازات مغربية للجزائر في واقعة أمغالة لولا ضبط النفس الذي تحلت به القيادة في الجزائر، ولم يطرأ في الملف طارئ جديد قد يغري الجزائر على الانجرار إلى نزاع مباشر مفتوح، حتى لو كانت موازين القوة العسكرية هي اليوم لصالح الجزائر أكثر من أي وقت مضى، ولم تترك للجار المغربي مجالا للرهان على الكسب السياسي بالتلويح بحرب، يعلم الطرف الجزائري أن المغرب ليس مؤهلا للدخول فيها، لا من جهة موازين القوة العسكرية الصرفة، ولا من جهة حالة الجبهة الداخلية في البلدين، ولا من جهة دخول أطراف خارجية، هي اليوم منشغلة أكثر بترميم ما أفسده التدخل الغربي في ليبيا وسورية ودول الربيع العربي من تخريب للأمن والاستقرار في الضفة الجنوبية من الأبيض المتوسط.
.
شقشقة هدرت ثم ردت
المشاغبة التي دخل فيها القصر الملكي، واتبعته فيها الأحزاب المغربية، لا تعدو أن تكون شقشقة هدرت لساعة ثم ردت، ولو لم يكن حصل حادث الاعتداء على العلم الجزائري في يوم إحياء الشعب الجزائري لذكرى اندلاع ثورته المجيدة، لما كانت الحكومة الجزائرية والرأي العام قد أوليا أدنى اهتمام لاستدعاء السفير المغربي احتجاجا على رسالة الرئيس لاجتماع أبوجا، لأن الغضبة المغاربية كانت مصطنعة، أرادت استباق جولة وزير الخارجية الأمريكي لدول المغرب العربي، كان يخشى منها أن يعيد حون كيري فتح ملف توسيع مهمة المينورسو لتشمل واقع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية المحتلة، وهو موقف أمريكي سابق لما جاء في رسالة الرئيس، كان يفترض أن يترتب عنه في أفريل الماضي سحب السفير المغربي من واشنطن احتجاجا على الموقف الأمريكي الجديد من الملف الصحراوي، وكان ذلك سيشفع للمغرب تصعيده الأحمق مع الجزائر.
“وحيث أن السياسة هي فن الممكن، وإلى أن تتوفر ظروف أفضل، ووصول ساسة جدد بذهنية جديدة، يكون الحد الأدنى المطلوب من حكام ونخب المغرب العربي، احترام التاريخ المشترك، والامتناع عن سب المستقبل”
وكما هو واضح اليوم، فإن العلاقات بين البلدين الجارين سوف تظل مرتهنة بالملف الصحراوي، الذي ينبغي للبلدين أن يحيدانه من علاقاتهما الثنائية، بعد أن ارتضى الطرفان المتنازعان تسويته بالحوار تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو الخيار الذي باركته الجزائر وموريتانيا وكثير من القوى العظمى، وليس من حق المغرب أن يحجر بعده على موقف الدولة الجزائرية المبدئي، المدافع منذ الاستقلال على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وقد ناص كثير من الشعوب الإفريقية كما ناصر حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
.
مواقف صماء لأنظمة مغلقة
لأجل ذلك لا يمكن للمغرب أن يعول على تحول دراماتيكي في الموقف الجزائري الرسمي، الذي هو موقف دولة، لا موقف جنرالات كما يدعي إعلام المخزن، وليس في الأفق ما قد يغري المغرب على المماطلة والتسويف في حل نزاعه مع الصحراويين، أملا في حصول متغيرات في السياسة الجزائرية أو في موازين القوة في الإقليم، أو يراهن على توريط الجزائر مباشرة في النزاع عبر طرق ملتوية، أو المقامرة بمغامرة عسكرية غير محسوبة العواقب.
على الطرف الثاني يحسن بالسلطة الجزائرية ألا تراهن كثيرا على توقع تطور دراماتيكي في موقف المغرب من ملف الصحراء، مع كل ما استثمره القصر في ما يسميه باسترجاع السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، لأنه في الوقت الراهن يكون محض انتحار، وقرارا يصعب تسويقه للشعب المغربي دون تحضير، قد يحتاج إلى سياسات مبتكرة، وإلى دعم من جيران المغرب وأصدقائه، أو إلى مقاربة جديدة لإعادة بناء الفضاء المغاربي بثقافة مبدعة، تفتح المجال أمام تسوية ملف الصحراء ومعه إخماد أخطر بؤرة توتر على الإطلاق في شمال إفريقيا، وهذا بالذات ما كان مؤملا من إنشاء الاتحاد المغاربي قبل أن ينسفه من الداخل قصور القادة المغاربة، وتفككه معاول الهدم من وراء البحر، توجهها قوة المحتل الفرنسي القديم.
.
التعايش إلى حين بفن الممكن
وحيث أن السياسية هي فن الممكن، وإلى أن تتوفر ظروف أفضل، ووصول ساسة جدد بذهنية جديدة، ينتقلون من العمل على الجغرافية السياسية التقليدية لأقطار رسمها المحتل، إلى العمل على جغرافية الشعب المغاربي الواحد الذي وحده التاريخ، وفي انتظار ذلك يكون الحد الأدنى المطلوب من حكام ونخب المغرب العربي، احترام هذا التاريخ الموحد، والامتناع عن سب المستقبل، بإدارة الأزمات التي تنشأ بين الأنظمة دون توريط دولهم وشعب المنطقة الواحد في نزاعات أو حرب، هي في كل الأحوال محرمة سياسيا وأخلاقيا، ويمنعها خوف الأنظمة من أن يقلب فيها شعب المغرب الكبير الطاولة على نخبه المتصاغرة الخالدة إلى الأرض.