الرأي

شكرا جونفياف.. على التذكير والذكرى

الشروق أونلاين
  • 1249
  • 1

أود من خلال هذا العرض بداية أن أتقدم بخالص شكري إلى السيدة جونفياف دوفانتناي على ما قالته بداية سبتمبر الماضي، في حفل رسمي على المباشر، وأمام ثلة من كبار المسؤولين.

لقد استطاعت هذه السيدة أن تتفوّه بالحقيقة المرّة واستطاعت ما لم يستطعه كثيرون ورفعتالطابو، مقتدية بالرئيس بوتفليقة الذي علمنا كيف نكسّر الطابوهات من قبل.

وأرى أنه لزام عليّ كذلك أن أتأسى برئيسي، الذي ضحى غداة الثورة، وكان يذكرنا، نحن جيل ما بعد بعد بعد الاستقلال ـ عذرا على توالي البعديات ـ أن نحافظ على أمانة الشهداء ورسالة نوفمبر، فأتكلم باسم هذه الأمانة وصيانة لهذه الرسالة؛ لأنها من المفترض أن تكون بأيدينا نحن الشباب، ومن هذا المنطلق أبرئ السيدة جونفياف دوفانتناي مما حيك لها من تهم، أشهد أمام الله والتاريخ والعدالة الجزائرية ـ حقا ـ أنها بريئة منها براءة تامة.

هذه المرأة جاءت أول مرة إلى الجزائر، دخلت البلاد فوجدت الأرض ومن عليها يتكلم بالفرنسية، جالت في الشوارع فرأت لغتها غالبة على واجهة المحلات والمؤسسات مترجمة أحيانا إلى العربية! تحادثت مع من وُصفن بحسناوات الجزائر وسمعتهن يتكلمن لغتها، حتى إنّ إحداهن أخبرت أنها تتقن ثماني لغات.. إلا اللغة الرسمية الجزائرية.

حضرت ضيفة الشرف إلى الحفل المنتظر فرأت كل شيء تريكولور: الإشهار واللوحات والديكور والحضور والمقدم والتصريح والتبريح، فأصابتها نشوة عارمة ونطق لسانُها واصفا ما عاشته بالدقة والتفصيل المعروف عن العالم المتقدم الذي لا يعرف نفاق اللسان كما عندنا نحن.

انسحبت السيدة الدردوري، وزيرة البريد والمواصلات، لأنها أحست بإهانة بالغة، وهي الوزيرة التي تمثل الدولة الجزائرية، ومن واجبها أن تتصرف وفق التقاليد والأعراف وما تمليها عليها مسؤوليتها، وكذا وطنيتها وحبها للبلد، على ما أعتقد.

الذي تجهله الوزيرة وتعرفه جونفياف أن احترام الدستور والتحلي بتقاليد الدولة عبارة عن فعل يسري في الوجدان وتترجمه الأفعال. وليس منطقيا أو أخلاقيا أن تستنكر الأمر وتتشبّه به في الوقت نفسه، مثلما تفعل الوزيرة منذ ولاّها الرئيس، حيث لم تمرّ مناسبة أو نشاط أو خطاب إلا وكانت لغة الدولة الفرنسية الحاضر الرسمي.

 ولعل السيدة جونفياف قبل أن تحضر إلى الجزائر، اطلعت على تاريخنا القريب، منذ مجيء الرئيس بوتفليقة، فأعجبت بلغته الفرنسية المحكمة، وأعجبها فيهتكسيره الطابوهاتخصوصا ما تعلق باللغة   الدستوريةللبلاد، فتناهى إلى خلدها أن فرنسية الجزائر لم تنقض تماما بعد خروج المحتل الفرنسي. ولعلها سمعت الرئيس عندما صاح يوما في لقاء مع قناة أجنبية غاضبا على مسؤول إحدى هيئاته الاستشارية لأن المسكين تجرأ على تمرير رسالة  كتبها بعض الغيورين على الوطن تنصحه بأن يتجنب الحديث باللغة الرسمية للدولة الفرنسية في المناسبات الرسمية للدولة الجزائرية.

وأغلب الظن أنها سمعته مؤخرا يشكو بعض الجزائريين إلى رئيس الوزراء الإسباني بلغة الدولة الفرنسية.

وفي اطلاعها على نشاط الوزير الأول سلال لعلها وقعت على شريط استقبال أردوغان.

في البداية أحست بنشاز ثم تحوّل هذا الإحساس إلى استغراب لم يلبث طويلا أن انتشت وفرحت، كيف أن أردوغان يستقبل باللون الأبيض والأحمر والأزرق، تلونت بها كلمة ممثل الدولة الجزائرية المستقلة. وفهمَت صاحبة القبعة حينها لماذا دافع رئيس الحكومة الجزائري الأسبق أويحيى على فرنسا ضد أردوغان عندما ذكرها بمجازرها في الجزائر؟ 


تجريم الاستعمار الفرنسي!

هذه الجملة لم تستطع أن تفهمها جونفياف وتعي جدواها، ولعلها بحثت في اليوتيوب فوقعت على فيديو وزير الخارجية الأسبق مراد مدلسي، سنة 2011، عندما قال قولته الشهيرة في البرلمان الفرنسي: “.. ليس هناك بلد أوربي أكثر من الجزائر.. فلو اتخذ التاريخ مساراً آخر لكنا اليوم في الاتحاد الأوربي“. لم تفهم السيدة الفرنسية تماما هذا الكلام، لكن سريعا ما ضحكت وقهقهت وانجلى اللبس عن الغموض الأول والثاني، عندما ختم السيد مدلسي بقوله:”..لأننا لمّا، وُقّعت معاهدة روما، كنّا لا نزال فرنسيين!”.

ضحكت السيدة جوفنياف مرة أخرى، عندما سمعت بثلة من المخلصين الجزائريين احتجوا وطالبوا بإقالة مدلسي، فجاءهم الجواب سريعا بترقيته رئيسا للمجلس الدستوري، حامي الحمى والديار.

أليست المدارس الخاصة الجزائرية تدرّس البرنامج الفرنسي الرسمي بدوام مضاعف، وبالكتب المدرسية الفرنسية، تجاوباً مع الواقع المفروض وليس مع دستور البلاد أو قانون وزارة التربية؟ فالمواطن الجزائري أيقن أن نجاح  أطفاله ومستقبلهم لم ولن يزال رهين لغة فولتير.

لأجل هذا كله، أشكر السيدة صاحبة القبعة التي لخصت واقع الجزائر في كلمتين، بعد أكثر من نصف قرن من خروج المحتل، وستين سنة على اندلاع ثورة التحرير.

باسم جيل الاستقلال، وباسم كل الغيورين على رسالة الشهداء؛

شكرا جونفياف، للتذكير والذكرى.

 

 

مقالات ذات صلة