الرأي

شكر الله سعيكم

الشروق أونلاين
  • 2699
  • 3

من أجمل ما قاله أحد رؤساء الأحزاب من المخضرمين الذين يرمون الكثير من الكلام، ولا يصيبون إلا نادرا، أنه يشعر بالألم وهو يتابع إجتماعا وزاريا مغاربيا كانت فيه الوجوه المشاركة كلها جديدة بعد التغييرات والثورات التي شهدتها دول شمال إفريقيا، إلا الوجوه الجزائرية التي هي نفسها وسبق لها أن التقت القذافي وبن علي وحتى الراحل الحبيب بورقيبة، والقبيح الذي لم يقله هذا المخضرم هو الاعتراف بأنه هو أيضا لم يتغير مثل بقية وجوه المعارضة، رغم أن التغييرات التي شهدتها الكثير من البلدان قلبت الطاولة على الأنظمة وأيضا على معارضتها الشكلية.

وفي غياب برامج تُقنع المواطنين وخطاب سياسي يمنح الأمل للشباب تكاد الأسطوانة تتكرر في كل الخرجات السياسية من طرف نفس الوجوه التي مازالت تقول نفس الكلام الذي قالته في الصيف والخريف والشتاء العربي، ومع انعدام الثقة بين المعارضة والمواطنين كما هي منعدمة بين السلطة والمواطنين تحاول الكثير من الوجوه التي تزعم المعارضة أن تبرّر السنوات التي قضتها في السلطة حاملة الحقائب الوزارية ومؤتلفة حكوميا أو مساندة لكل البرامج الرئاسية، متفقة على تبرير جاهز هي نفسها لا تُصدّقه، ومع ذلك تبتلعه وتجتره عندما تقول أنها قبلت بالمسؤوليات عندما رفضها الآخرون، وحملت الحقائب الوزارية والدبلوماسية الفارغة من الأموال في زمن انهيار أسعار النفط وجلست على كراسي السلطة عندما كانت مصنوعة من الجمر، والغريب أن الوزراء الحاليين هم أيضا يُكرّرون نفس الأسطوانة، حيث قال وزير الاتصال ناصر مهل أنه اشتاق لقاعات التحرير وكتابة المقالات، وقال وزير التكوين المهني الهادي خالدي أنه ينتظر اليوم الذي يعود فيه للتدريس في الجامعة، وقال وزير الصحة جمال ولد عباس أنه يحلم باستقبال المرضى في عيادة بعيدا عن أوجاع الوزارة، حتى يُخيّل لنا أن الجماعة إنما يؤثرون على أنفسهم بتقبل هذا الحِمل الثقيل الذي هو منصب وجاه، وكانت بهم خصاصة للحياة البسيطة.

إذا كان المواطن غير مقتنع بمسؤوليه بدليل عشرات الآلاف من الاحتجاجات والإضرابات والهجرة والإنتحارات إلى درجة قنوطه من القادمين مستقبلا بعد أن ذاق اليأس من السابقين والحاضرين، فإن أكثر ما يثيره هو أن يقول له هذا الذي حقن القنوط في أوردته أنه يضحي من أجله بقبوله المناصب الكبرى وبأنه هو الذي أنقذه من الانهيار الذي كان يتهدّده ويتهدّد البلاد، وعليه أن يبتهج لو يبقى زمنا آخر في السلطة.

إذا كان الإسلام يأمر المتصدّق أن يُخفي كرمه حتى لا تعلم يساره ما أنفقت يمينه، والذي يتحدث أمام الناس بما قدّمه لله وللناس يكون قد ارتكب رياء وهو من أخطر أمراض النفوس، إذا كان هذا حال الذي يُعطي بلا ثمن، فكيف نسمّي حديث الكثير من المسؤولين الصغار والكبار عن تضحيات يُجمع الناس على أنها ويلات مقابل حصولهم على امتيازات مادية ضخمة ومرتبات منتفخة؟

إنقلاب المعادلة رأسا على عقب هو الذي أوصلنا إلى هاته الأوجاع، ففي الجهاد الأصغر مع رعيل الثورة كان الرجال يبذلون النفس دون أن يطلبوا منّا ولا سلوى، أما الآن وفي عز الجهاد الأكبر الذي من المفروض أن نكون قد باشرناه منذ نصف قرن صار الذين أصمّونا بشخيرهم وكتموا أنفاسنا بكروشهم وقنّطونا بوعودهم يُذكرونا بمناسبة ومن دونها أنهم سبب وجودنا؟

مقالات ذات صلة