شهادة زرقين ودفاع سوناطراك والنائب العام يصنعون الحدث
تستأنف اليوم الأحد محكمة الجنايات لدى مجلس قضاء الجزائر العاصمة برئاسة القاضي محمد رقاد، أطوار محاكمة “سوناطراك1” التي تعرف أيامها الأخيرة مع مرافعات دفاع المتهمين، على أن تدخل هيئة محكمة الجنايات بإشراك المحلفين للمداولات في هذه الأيام، بعدما عرفت المحاكمة على مدار الأسبوع الرابع شدا وجذبا بين هيئة الدفاع عن سوناطراك والخزينة العمومية الممثلين للأطراف المدنية وكذا محامي المتهمين الذين ردوا بشكل مباشر عليهم وعلى ممثل النيابة العامة الذي صنع الاستثناء بمرافعاته باسم 40 مليون جزائري ومطالبته لوضع حد للفساد.
وينتظرأن يرافع اليوم محامو الدفاع في حق المتهمين في المجموعة المتعلقة بصفقة أنبوب الغاز “جي كا3” لتأتي مجموعة “الحماية الالكترونية والمراقبة البصرية” في الأخير والتي تضم أهم المتهمين ومعظمهم في القضية بما فيهم الشركات المتابعة كشخص معنوي، حيث ستستمع هيئة محكمة الجنايات لمرافعات 23 محاميا من مجمل 37، بعدما سبق وانطلقت المرافعات مساء يوم الأربعاء المنصرم.
زرقين يصنع الحدث والجدل في محكمة الجنايات
وعلى مدار الأسبوع الرابع لمحاكمة “سوناطراك1” كانت المفاجآت تتوالى واحدة تلو الأخرى بداية بالشهادات المثيرة لأعضاء المجلس التنفيذي لسوناطراك، والمديرين العامين الثلاثة الذين خلفوا محمد مزيان على رأس الشركة، حيث صنعت شهادة زرقين عبد الحميد الذي تولى مهامه في سوناطراك من 2011 حتى 2014 في فترة التحقيقات في القضية الاستثناء والجدل بين في محكمة الجنايات، هذا الأخير الذي أدلى بتصريحات قلبت موازين المحاكمة على عكس خلفه سعيد سحنون الذي بدا بمظهر “شاهد ما شفش حاجة” باعتباره لم يكن على علم بالصفقات حتى بعد توليه لرئاسة الشركة، فيما كانت شهادة فغولي عبد الحفيظ الذي خلف مزيان مباشرة بالنيابة لفترة انتقالية جد حذرة مكتفيا بالقول “عشت كابوس حقيقي” معتبرا توليه زمام الأمور في “سوناطراك” بعد تفجير القضية ومتابعة إطاراتها ليس بالشيء الهين.
المحامون يشككون في شاهدة زرقين
لتكون شهادة زرقين بذلك استثناء حقيقي جعل دفاع الأطراف المدنية، سوناطراك، والخزينة العمومية وحتى ممثل النيابة العامة يستدلون بها في مرافعاتهم، حيث أكد زرقين بأن الأسعار التي قدمتها شركة “سايبام” الايطالية جد مرتفعة، ومنح أمثلة مختلفة للمحكمة عن الأسعار العالية المطبقة في نفس الظروف والمشروع، ليصفها بـ”الرهيبة” منتقدا تصريحات المدير العام لسايبام بخصوص تحججه بأهمية المشروع واستراتيجيته، ليكشف بأن “جي كا3” لم يحقق أهدافه المرجوة ألا وهي تصدير الغاز لايطاليا لأن الغاز الجزائري مازال في الداخل، ودافع مطولا على الشركات الوطنية وقدرتها في الإنجاز، وهي الشهادة التي جعلت المحامين يتهمونه بتغيير أقواله للانتقام من ذكر ابنه الذي يشتغل في شلومبارجي من قبل ابن محمد مزيان.
واعتبر زرقين بأنه كان على المسؤولين في سوناطراك اتخاذ قرار حاسم وعدم الانصياع للأوامر بدون تفكير في العواقب، وكانت هذه التصريحات المثيرة مرجعا لمرافعات دفاع سوناطراك والخزينة العمومية وحتى النائب العام، فيما شكك فيها دفاع محمد مزيان واعتبروها تلفيقا لتصفية حسابات شخصية بين زرقين ومزيان، ليواجهوا الشاهد بإرسالية محررة من قبله بصفته الرئيس المدير العام لسوناطراك في 2012 بعث بها لقاضي التحقيق لم يذكر فيها وقوع أي ضرر لسوناطراك بسبب القضية، غير أنه ببر ذلك بعدم امتلاكه للمعطيات الكافية متمسكا بأقواله التي أدلى بها أمام هيئة المحكمة الجنائية.
إطارات سوناطراك عبثوا بخبزة الشعب
وغير بعيد عن شهادة زرقين المثيرة للجدل، ومع فتح باب المرافعات للأطراف المدنية، تغيرت موازين القضية، فبعد أسابيع من الاستماع لتبريرات المتهمين وحتى شهادة الشهود وتأكيدهم لتنفيذ أوامر وزير الطاقة والمناجم وعنصر الاستعجال وأهمية المشاريع، جاء محامو الخزينة العمومية وسوناطراك، ليستخدموا كافة أساليب الإقناع والعبارات المثيرة لإظهار مدى خطورة قضية الفساد ومدى الضرر الذي أصاب أكبر شركة في الجزائر وإفريقيا و12 عالميا، ففي حين اعترف محامو شركة سوناطراك بعدم تمكنهم من تقدير الضرر المادي بسبب عدم وجود خبرة في الملف، إلا أنهم رافعوا مطولا ليظهروا الضرر المعنوي الذي أصاب سوناطراك، والتي وصفوها بأنها “مصدر خبز الشعب” و”توكل الشعب” وكذا “البقرة الحلوب” معتبرين أنها عماد الاقتصاد الجزائري لكن الفساد أضر بها.
زواج المتعة .. الغنيمة
واكتسحت محكمة الجنايات عدة عبارات وألفاظ غريبة استعان بها دفاع الأطراف المدنية لإظهار مدى هول الفضيحة، حيث اعتبر محامي الخزينة الزيادة في الأسعار التي فرضتها كل من الشركة الألمانية والايطالية بتواطؤ من إطارات سوناطراك بـ”الغنيمة” التي كان يقتسم ريعها على شكل عقارات وحسابات بالأورو، كما وصف إنشاء المجمع الجزائري الألماني للحصول على صفقات “البقرة الحلوب” زواج متعة، وتفنن المحامون في إبراز خطورة الوقائع، باستعمال كل الأساليب والأوصاف لدرجة وصف سوناطراك بـ” الأسد” و”سبع إفريقيا” متساءلين كيف له أن يفاوض “قطا” كناية عن شركة المتهم أل اسماعيل جعفر “كونتال” التي لم تكن لتحلم يوما بالصفقات التي حصلت عليها بقيمة1100 مليار سنتيم فيما كان رقم أعمالها لا يتعدى مليار سنتيم، ليعتبروا ما حدث في سوناطراك بالخطة المقننة لاقتسام ريع الصفقات.
مسرحية لنهب مصدر رزق الجزائريين
وفي سياق متصل، زلزلت مرافعات النقيب سيليني جدران محكمة الجنايات، حيث رافع مطولا باسم الشعب الجزائري واصفا ما حدث بالخيانة العظمى، مشيرا إلى سمعة سوناطراك التي تلطخت وتدنست بسبب القضية، والتي قال بأنها ليست قضية فساد عادية بل هي ذنب لا يغتفر لأن سوناطراك تمثل 98 بالمئة من مداخيل الاقتصاد الجزائري.
وذكرَ هو الآخر هيئة محكمة الجنايات بأن سوناطراك هي التي “مصدر قوت الجزائريين” ليطالب بالقصاص لـ40 مليون جزائري والذي ينتظرون حكم محكمة الجنايات بفارغ الصبر، فيما وصف ما حدث في الصفقات بالمسرحية التي لعب أدوارها بإحكام كل من المتهم الرئيس آل اسماعيل من خلال مشاركته لأبناء محمد مزيان لدخول أسوار “سوناطراك” وكذا إنشاءه لمجمع مختلط مع شركة ألمانية لتبدأ خطة اقتسام الأرباح، مستدلا بالمثل الشعبي “اللعاب حميدة والرشام حميدة” ليعتبر النقيب سيليني بأن الجزائر أصبحت مضحكة بين الشعوب بسبب القضية.
ممثل النيابة العام يدافع ضمنيا عن الوزير و”الدياراس”
وصنعت مرافعات النائب العام بوذراع عبد العزيز، الاستثناء ما جعل المحامين في مرافعاتهم لصالح المتهمين يردون بقوة على ممثل الحق العام، بعدما رافع باسم الشعب الجزائري مستعملا كل وسائل الإقناع لاستمالة هيئة محكمة الجنايات لتحكم بحكم الإدانة على من تسببوا في فضيحة “سوناطراك” فالنائب العام الذي اعتبر ما حصل من قبل إطارات سوناطراك خيانة للأمانة التي وضعت بين أيديهم، وكذا تبديدا لأموال الجزائريين، لم يقتنع بمبررات الاستعجال وبتنفيذ أوامر وزير الطاقة والمناجم شكيب خليل التي ساقها المتهمون طيلة شهر من المحاكمة، لدرجة بدا بموقع المدافع عن الوزير من خلال مرافعته التي تساءل فيها إن كان مزيان اعلم الوزير بتواجد ابنيه في الشركتين الألمانية والإيطالية اللتين حصلتا على مشاريع بقيمة إجمالية تبلغ 5400 مليار سنتيم في صفقة”الحماية الالكترونية و”جي كا3″، كما رفض ممثل الادعاء العام تحجج المتهمين بضغوطات “الدياراس” وكذا التعذيب، مشيرا إلى آن ولا واحد منهم بقي في “الحجز تحت النظر” وكلهم رجعوا لمنازلهم بعد الاستماع لشهاداتهم مع انطلاق التحقيقات من قبل مصالح الضبطية القضائية العسكرية.
2005 سنة التحول الجذري في حياة المتهمين
ولخص النائب العام بوذراع تفاصيل القضية في حكاية شاب جزائري طموح وهو المتهم آل إسماعيل جعفر، الذي وصفه بـ”الدهاء والمكر”، حيث تمكن في فترة وجيزة من أن يتحصل على صفقات في سوناطراك. وظهرت عليه وعلى باقي المتهمين الذين ساهموا في اقتسام كعكة “البقرة الحلوب” مظاهر الثراء الفاحش، التي قال عنها النائب العام إنها “ليلة القدر” التي حلت على المتهمين بعد 2005، ليمتلك كل واحد منهم عقارات بمدينة الجن والملائكة وحسابات بالملايير ما كانوا ليحلموا بها تحت غطاء الاستشارة، التي جعلته يتساءل مطولا عن سر الاستشارات التي يقدمها أشخاص لا خبرة لهم لشركة ألمانية هي بدورها تمنحهم قروضا بالأورو، وكأنها بنك، إلى درجة أنه علق مخاطبا المتهم الرئيسي في القضية: “هل الشركة الألمانية هي أختك لتقرضك المال؟”. وعدد ممثل النيابة العامة الممتلكات والعقارات والحسابات التي لا تحصى واكتسبها المتهمون بعد 2005، وهي السنة التي بدأت صفقات سوناطراك تتهاطل عليهم.
المتهمون استغلوا ارتفاع أسعار البترول لتقاسم “التشيبا”
ورافع النائب العام بحسرة وألم بسبب الفساد الذي ساد الجزائر مؤخرا ومس بصفة مباشرة “أكبر شركة بترولية تعتبر عماد الاقتصاد الوطني”، وكذا بسبب استغلال المتهمين لفترة ازدهار سوناطراك التي كانت تبيع فيها البترول بـ140 دولار للبرميل في عز البحبوحة للتبذير والحصول على “تشيبا” و”رشاوى”، مقابل منح صفقات لشركات غير مؤهلة قامت بتضخيم الأسعار أضعافا مضاعفة، ليعتبر أن مقارنة ممثل الشركة الألمانية “فونكوارك بليتاك” وكذا شركة سايبام “الإيطالية” لخدماتها بمرسيدس وقولها إن سعر كليو مختلف عن مرسيدس هو إهانة لسوناطراك، مشيرا إلى أنه لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يقبل شراء مرسيدس بسعر مضخم لأضعاف، محملا محكمة الجنايات أمانة إنصاف الشعب الجزائري ليعتبر أن سوناطراك هي كل الشعب ويجب ألا يترك الفاسدون دون حساب.
كما رفض في السياق التذرع بالإرهاب والأوضاع الأمنية وكذا التحجج بعدم وقوع “اعتداء تقنتورين” لو تمت الصفقات، مشيرا إلى أنها حجج واهية لتبرير الصفقات المخالفة للتشريع واستغلال النفوذ وتعارض المصالح، مشيرا إلى أن الرئيس المدير العام لسوناطراك محمد مزيان خرق بنود عقد التسيير الذي يجمعه بسوناطراك، الذي يقول في حيثياته، إنه لا يمكن للرئيس المدير العام أن يستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر في شركة وطنية أو أجنبية تربطها عقود بسوناطراك. كما تساءل عن سر مبلغ 10 آلاف أورو الذي تحصل عليه مزيان من قبل آل إسماعيل. وتأسف لاستغلال رضا مزيان والدته التي كانت على فراش الموت في عقد استشارة مع الشركة الألمانية وكذا لتبييض أموال الرشوة في شقة بباريس.
السياسة وصراعات العهدة الثالثة تدخل محكمة الجنايات
وفي المقابل رد المحامون المدافعون عن محمد مزيان وباقي إطارات سوناطراك بقوة على طلبات النائب العام، رافضين مرافعته باسم الشعب الجزائري، معتبرين ما جاء على لسانه وعلى لسان محامي سوناطراك بـ”الشعبوية” و”المزايدات”. فكانت المرافعات سياسية أكثر منها قانونية، شرح فيها المحامون أن إطارات الدولة و”سوناطراك” نفسها دفعوا ثمن الصراع الذي كان قائما بين أجنحة السلطة بسبب العهدة الثالثة في 2009، وذهبوا في مرافعاتهم بعيدا، معتبرين أنهم محامون لا يربطهم بالمحكمة واجب التحفظ ويتحتم عليهم كشف الحقائق كما هي، حيث أكد دفاع مزيان محمد أن هذا الأخير أفنى 43 سنة من حياته في خدمة الدولة وسوناطراك، ورفض المساومات والإدلاء بشهادة زور متحملا وزر اتهامه بالفساد، ليكشفوا أن من فتحوا الملف وهم الضبطية القضائية العسكرية كانوا يستهدفون رئاسة الجمهورية ووزير الطاقة والمناجم شكيب خليل الذي كان محسوبا على جناح السلطة.
ولأن مزيان– حسبهم- رفض التصريح ضدهم وجد نفسه متهما بنصف قانون الفساد وابنيه الوحيدين في السجن منذ 6 سنوات، فضلا عن ذلك أكد المحامون تحقيق سوناطراك أرباحا في عهد مزيان لن تحلم بها مجددا بعد انخفاض أسعار البترول إلى ما يقارب 20 دولار، مؤكدين في السياق تنفيذ موكلهم أوامر رئيس الجمعية العامة لسوناطراك، ليعتبروا أن الصفقات لو كانت مخالفة للتشريع لما صادق عليها أعضاء الجمعية العامة الذين لهم صفة المراقبة الخارجية، وهم وزير الطاقة ووزير المالية وممثل رئاسة الجمهورية ومحافظ بنك الجزائر، مشيرين إلى أن سوناطراك بعد 2010 تعاقب عليها خمسة مديرين وبسبب القضية تعطلت المشاريع لأنه لا واحد منهم كان قادرا على اتخاذ قرار الإمضاء. كما عادوا مجددا ليربطوا بين”اعتداء تيقنتورين” وصفقات الحماية الإلكترونية، وهي الحادثة التي كلفت خزينة الدولة 9 ملايير دولار، وكانت الصدفة حليف حظ المحامين الذين ذكروا للمحكمة استغلال فرنسا للحادثة لفتح تحقيق، تزامن مع فتح الجزائر ملف سوناطراك.
المحكمة الإيطالية تفتح ملف الفساد فيما تشرف الجزائر على إغلاقه
وفيما ينتظر أن تفتح محكمة ميلانو الإيطالية، غدا الاثنين، ملف فضيحة “إيني- سايبام، سوناطراك” التي سيتأسس فيها ممثل شركة سوناطراك كطرف مدني تعرف أطوار محاكمة “سوناطراك 1” أمام القضاء الجزائري مراحلها الأخيرة مع مرافعات المحامين لتبرئة ساحة موكليهم قبل أن تدخل المحكمة للمداولات في هذا الأسبوع لطي الملف نهائيا بعد 6 سنوات من فتح التحقيق في “فضيحة الفساد”.
ومعلوم أن تحقيق العدالة الإيطالية كشف مع بداياته الأولى عن خفايا الفساد في الجزائر وورط بشكل مباشر وزير الطاقة شكيب خليل فيما يعرف برشوة 200 مليون دولار، قبل أن يخرج منها كالشعرة من العجين لتبقى المتابعة في إيطاليا ضد فريد بجاوي وجزائريين اثنين ذكر اسمهما في القضية المفتوحة أمام القضاء الجزائري، حيث كان لتحقيقات الإيطاليين دور كبير لتتحرك العدالة الجزائرية لفتح تحقيق في ما سمي بسوناطراك 2 واتهام شكيب خليل وأفراد عائلته بإصدار أوامر بالقبض ضدهم. وهي المذكرات الدولية التي لا تزال تشكل لغزا في الملف.
وفي سياق متصل، تردد اسم هامش رضا مدير ديوان محمد مزيان، المتابع في سوناطراك 2 الذي يعتبر “العلبة السوداء” لسوناطراك والذراع الأيمن لشكيب خليل، كثيرا من خلال مرافعات المحامين لصالح المتهمة ملياني نورية والذين طالبوا باستبعاد تهمة استغلال النفوذ والمحاضر التي تربط موكلتهم بهامش رضا، ليدافع المحامون عن قرارات إطارات سوناطراك في صفقة “غرمول” باعتبارها جاءت تنفيذا لتعليمات الوزير وللحفاظ على ممتلكات الشركة.