الرأي

شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم

“علماء الدين” الحقيقيون ليسوا كأحد من الناس فيما يَنْطِقُونَهُ من أقوال وفيما يأتونه من أفعال، فهم “حراس الملة والدين”، حتى لا ينتهك حرماته حاكم مستبد أو غني يمشي في الأرض مرحا.. من أجل ذلك يجب على “علماء الدين” أن يمتازوا ويتميزوا بالشخصية الأقوى والإيمان الأصلب، وشجاعة القلوب والمواقف، وعدم الخشية إلا من القاهر فوق كل قاهر مع مراعاة الظروف التي يقول عنها الإمام المرتضى عبد الحميد بن باديس: “تستطيع الظروف أن تكيفنا ولكنها لا تستطيع بإذن الله أن تقهرنا”.

وكان الإمام القوال للحق الشجاع القلب الحكيم الرأي محمد البشير الإبراهيمي يسمي من اتصفوا بهذه الصفات من العلماء “ملوك الملوك” (آثار الإبراهيمي ج 4، ص 112)، ومن قبل الجميع قال من لا ينطق عن الهوى: “أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر”، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وعلى مذهب الأستاذ مولود قاسم: “هذا حديث ولو لم يقله رسول الله”.

من هؤلاء العلماء “القلة” عالم جزائري جاهد باللسان وبالسنان، وعاش أبيا عزيزا طوال حياته، داعيا إلى الحق مجادلاً عنه بالحكمة البالغة والحجة الدامغة، إنه العالم الجزائري الأصل التونسي المولد المصري الوفاة، محمد الخضر حسين، الذي أبصر النور في أحد الأيام من عام 1876.. وقد رجعت روحه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية – إن شاء الله – في أحد الأيام من سنة 1958.

في سنة 1952 قامت في مصر ثورة (ما) يسمون “الضباط الأحرار” ضد مالك فاسد مفسد. هو فاروق الأول وما هي إلا شهور معدودات حتى نزغ الشيطان بين هؤلاء الضباط وتبين أن النزعة الفرعونية مسيطرة على كثير منهم، ومنهم من كان أظلم وأطغى من فاروق الذي مات في حجر بغي في روما، فما بكت عليه السماء والأرض.
من القرارات الصائبة التي اتخذتها ثورة 1952 أنها عينت بعد شهرين من قيامها عالمًا علما على رأس الجامع الأزهر، وهو الشيخ محمد الخضر حسين .
ذات يوم أراد الجنرال محمد نجيب رئيس مصر أن يستضيء، برأي الشيخ محمد الخضر حسين فبعث إليه أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة حسين الشافعي ليبلغه رغبة الجنرال في لقائه. لم ترتعد فرائص الشيخ، ولم يبلع لسانه، ولم يتلجلج وقال لذلك الضابط في لهجة تنبئ عن معدن الشيخ وقيمة ما يمثله: «قل لسيادة الرئيس إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم». (علي الرضا الحسيني: موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين المجلد الأول. ص 33)
استقال شيخ الأزهر من إدارته بإرادته في 7 يناير (1954)، وكان شعاره: «يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها السلام». (محمد الجوادي: محمد الخضر حسين وفقه السياسة في الإسلام، دار الكلمة للنشر. ص 38)، و”لئن لم يربح الأزهر في عهد فلن يخسر”.

مقالات ذات صلة