الرأي

شيخ المؤرخـــــين الجــــزائريين الدكتور سعد الله.. خالد بتراثه وفكره

الشروق أونلاين
  • 3173
  • 1

تعود معرفتي بالأستاذ الكبير شيخ المؤرخين الجزائريين، أبي القاسم سعد الله، إلى نهاية الستينيات عندما كنت طالبا في قسم التاريخ الذي أنشئ حديثا، بكلية الآداب جامعة قسنطينة في السنة الدراسية 1969 ـ 1970 م فتتلمذت عليه، وحضرت بعض دروسه وهو أستاذ زائر لجامعة قسنطينة، ثم عرفته وأنا مدرس ونائب لعميد كلية الآداب ورئيس لقسم التاريخ في بداية السبعينيات، فصار بيننا تعاون بيداغوجي، في وقت كان قسم التاريخ يفتقر الى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر (01).

فكنا نحضر دروسه مع طلابنا، ونستمتع بمشيخته وعلمه ومنهجيته، فعوضنا بما كنا نحتاج إلى معرفته من تاريخ الجزائر والحركة الوطنية.

فكان الأستاذ مفعما بالحيوية والنشاط، غزير العلم، واسع المعارف، يحرص على أن يفرغ ما وسعه فهمه وعقله وذوقه وحسه الى طلابه، بكل جدية وعمق، لأن الدراسة في الأقسام العربية آنذاك، كانت تشكو من الطرق التقليدية والحشو، لكونها يعزوها الإطار الكفء والكتاب المرجعي، وتنقصها المنهجية الصحيحة، والطرق الحديثة،لأن الكثير ممن كانوا يدرسون في الجامعة، في تلك الفترة، لا يحملون شهادتي الماجيستير والدكتوراه،إلا القليل الناذر من الجزائريين، وكذا من بعض المتعاونين الأجانب الشرقيين منهم أو الغربيين (02).

فحاول الأستاذ الدكتور، نقل ما يمكن نقله، من أحدث ما توصلت إليه العلوم الإجتماعية من تطور وتقدم، من مضانها الأنجلو سكسونية،لأنه يدرك تمام الإدراك، بأن الغرض من التعليم الجامعي، هو تثقيف العقل، لا لإملاء الحافظة، وحشوها بالمعلومات بل غرضه تنمية ملكة البحث العلمي، ومعرفة منهجه،و توسيع أفاق الإدراك به، وتعويد الطالب على حب العلم والقراءة، والتحكم في وسائل البحث واكتساب المعارف والتعمق في اللغة التي يدرس بها.

وكان الأستاذ صارما جدا،في دروسه وتوجيهاته، معروفا بتشدده العلمي والمعرفي،فكانت له مقاييس منهجية ولغوية، لا يتساهل فيها مع طلابه، وخاصة منهم طلاب الدراسات العليا، وأن صرامته هذه صرامة الصادقين الناصحين.

فكان يتقد حماسة في مجال التدريس، وامتهان العلم والبحث التاريخي، فبنى لنفسه مجدا بين طلابه، ومكانة مرموقة بين زملائه، ولكن مع الأسف نفقد كانت زيارته الى جامعة قسنطينة، محدودة بل نادرة، ولعل السبب في ذلك، يعود الى كثرة انشغالاته بالجامعة المركزية في الجزائر، أو ربما يعود لعدم توفير الشروط المريحة للأستاذ الزائر آنذاك، لأن ميزانية الجامعة في بداية السبعينيات، كانت تشكو من الضعف، فضلا عن تهاون المسيرين في الحقل الجامعي وقلة إدراكهم لمثل هذا التعاون العلمي، وعلى الرغم من ذلك، فقد كنا نلتقي بالأستاذ في اللجان البيداغوجية، التي تدعو إليها الوزارة، وهي فرصة أيضا كانت تسمح لنا بالاستئناس، إلى حديثه وأرائه وأفكاره، ومقترحاته العلمية والتربوية المتعلقة بالبرامج الدراسية ومقرراتها وآفاق الجامعة.

فقد عودنا الأستاذ على تشجيع الباحثين، ولاسيما منهم الناشئين ويأخذ بأيديهم ويقدم لهم العون والدعم، في مجال البحث والدراسة والتأليف والطبع، ولم يبخل عليهم بجهده ووقته وعلمه، أو يتأخر عنهم،فقد كان له الفضل في طبع كتابي الموسوم: “المظاهر الكبرى لعصر الولاة في بلاد المغرب والأندلس” بدار المعرف التونسية، في مدة زمنية قياسية لم تتعد الستة أشهر، بينما ظل ما يزيد عن سنتين في الجزائر ينتظر دوره في الطبع والنشر.

وعندما كنت رئيسا لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية،شرفني برسالة تهنئة وتشجيع، تلقيتها عن طريق شقيقه “علي سعد الله” وهو في ديار الغربة، بالمملكة الأردنية الهاشمية، وهي لفتة كريمة منه، جعلتني لا أتردد في مفاتحة أخيه الذي كلفته بأن يقدم للأستاذ عرضا يتضمن عودته الى أرض الوطن، لأن جامعة الأمير عبد القادر في حاجة إليه وإلى علمه ومشيخته، وأن منصب رئيس المجلس العلمي للجامعة ينتظره، حتى نتمكن سويا من النهوض بهذه الجامعة الفتية، ذات الطابع الخصوصي المتميز، إلى المستوى والمهمة التي أسست من أجله، وهو بدون شك أهل لهذه المسؤولية لما يتميز به من قدرة علمية، ولما يتمتع به من سمعة بيداغوجية، عند الطلاب والدارسين، وكنت تواقا لرده.

 

لقد أتاحت لنا طليعة من زملائه وتلامذته، بأن نتشرف بالمساهمة في تأليف كتاب تذكاري، يضم أبحاثا وشهادات وانطباعات تعكس اهتمامات المشاركين المهنية، ومشاعرهم التقديرية نحو الأستاذ (03) .

دخل الأستاذ الدكتور الحياة الثقافية كاتبا وصحفيا وأديبا وشاعرا وانتهى به الأمر الى محقق ومؤرخ ومترجم يغوص في أغوار التراث والتاريخ، إذ وجد نفسه بفعل الدراسة الجديدة بأمريكا، يتحول من معالجة الأدب والشعر، إلى البحث في القضايا التاريخية والتراث، وأصبح البعد الثقافي الوطني هاجسه، وشغله الشاغل، يتحكم في توجهه ويشغل باله، إذ انتقل من الثقافة التقليدية، كما صاغتها جمعية العلماء المسلمين، وشكلتها الزيتونة، وطبعتها دار العلوم بالقاهرة، وصقلتها الجامعة الأمريكية إلى آفاق التخصص الواسعة والمتجددة في العلوم الإنسانية والإجتماعية (04) .

فقد ظل الأستاذ المثقف الذي يستمد مرجعيته وقيمه من الحضارة العربية الإسلامية، ويمتد أفقه خارج إطار الدعوة الفرنكفونية، حيث الأفاق العلمية الأنجلو سكسونية، فصارت له مواهب متعددة وآفاق واسعة، أفادت بعضها البعض، حتى صار من المثقفين الموسوعيين.

لازم الكتابة وقرض الشعر منذ نعومة أظفاره، وظل في ميدان الإنتاج الفكري أكثر من نصف قرن من العطاء المتواصل، أثرى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات والمصنفات في مجالات معرفية شتى.

أما فيما يتعلق بمواقفه من قضايا التاريخ، فكان للأستاذ موقف حيادي من النضال  السياسي في الجزائر في بداية الأمر، ثم أخذ يتغلغل وينفذ في الواقع الجزائري، ومعالجة القضايا الشائكة، الى أن أصبح يدلي بدلوه في اتخاذ المواقف الصريحة، في كبريات الأمور، وقضايا الساعة (05).

فكان يقول عن الكتابة التاريخية: “بأنها عملية متجددة، يمارسها كل جيل بالقدرة والعقلية التي وصلها، والوثائق المتوفرة لديه، والمستجدات الحضارية التي تحيط به”، ويقول أيضا: “أن المؤرخ ابن بيئته وظروفه وأسير ثقافته ووثائقه، ومن تمة فهو مرآة شعبه” (06) .

فقد ظل الأستاذ يدافع عن التعريب والجزأرة في التعليم، والديمقراطية وحرية التعبير، منذ وجوده في الجامعة المركزية بالجزائر سنة 1967 مع ثلة من زملائه وأصدقائه، وقد تميز عنهم، بأنه كان مهموما محموما بالثقافة الوطنية، واللغة العربية، التي يكتب بها (07)  .

فقد كان مؤمنا بالوحدة الوطنية، ووحدة اللغة، والانتماء العربي الإسلامي، ولا يزال كذلك، يرفض التدجين والتغريب، فعن اللغة العربية المتيم بها، يعتبرها بمثابة روح الأمة، فقد ظلت ومازالت الحلم الذي يراوده، وجرحا غائرا يؤلمه، وألما شديدا يعانيه لواقع هذه اللغة، ولما أصبحت عليه اليوم في ديارها وبين أبناء أهلها في الجزائر، وأن ما آلت إليه اللغة في نظره يعود الى غياب استراتيجية ومفهوم المركزية الثقافية منذ الإستقلال، وما سماه بالتشرذم الثقافي، الذي انتاب الشعب الجزائري منذ العهد التركي مرورا بالعهد الفرنسي والى وقتنا هذا (08).

فتوحيد اللسان في نظره في الوطن الواحد، يعني توحيد الفكر والهوية والمصير والعقيدة، ويمكنه بعد ذلك، الانفتاح على تجارب الآخرين، بدون خوف على هويته وعقيدته، وأن يتعلم ما يشاء من اللغات والثقافات الأخرى، والتي تجعله بدون شك يطلع على المعارف وعالم المستجدات في ميدان العلم والفكر في البلدان المتقدمة الأخرى (09).

فبهذه الأفكار والمواقف، كان الأستاذ الدكتور، يقلق بعض الأوساط الرسمية والتغريبية واليسارية، وصار في نظرهم مثال غير مرغوب فيه، ونموذجا مزعجا للنمط الثقافي الذي خضعت له الجزائر بعد الإستقلال (10).

و قد عانى الأستاذ جراء ذلك الأمرين، بما ضرب حوله من حصار وتهميش واستفزازات داخل الحرم الجامعي وخارجه، لكن كعادته ظل صامدا مقاوما بهدوئه المعهودة ورزانته، واقفا متحديا شامخا شموخ الجزائر، لا يخاف لومة لائم في قضية الهوية والتراث، بل ظل يواجه المد المعاكس للثقافة الوطنية، ويتحدى أصحابه ودعاته في كثير من الأحيان، مع ثلة ممن يشاركونه في آرائه ومواقفه في الجامعة الجزائرية.

نهض الأستاذ الجليل، بمهام علمية ومسؤوليات تربوية في غاية الأهمية، منذ وجوده في الجامعة، تكوَّن على يده جيل من الأساتذة والباحثين، حاملين مشعله وطموحاته، كما كان له تأثير ملحوظ على جمهور عريض من المثقفين في الجزائر، وتزينت المكتبات الوطنية والعربية بمؤلفاته ومصنفاته، ونتاج فكره، مما جعل سمعته وشهرته العلمية تتعدى حدود وطنه، وكانت الجامعات العربية والإسلامية والأنجلو سكسونية، تدعوه للتدريس بمدرجاتها وعلى طلابها، وقد زادت مؤلفاته العشرين، فاق بها أقرانه بما أضفى عليها من كم وكيف هائل، تضمنت: “أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر (خمسة أجزاء)، وأضواء تاريخية ودراسات نقد وتأملات وأفكار، وإيداعات ومترجمات، ومسار قلم، يوميات، وتاريخ الحركة الوطنية الجزائرية (ستة أجزاء)، وتحقيق التراث (ثلاثة أجزاء)، وموسوعة تاريخ الجزائر الثقافي (عشرة أجزاء) من القرن 15 إلى الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية.

فهذه الأعمال الموسوعية لا تقل عن (33 جزءا) نشرت في ثلاثة وعشرين مجلدا، نشرته وزارة المجاهدين في دار الغرب الإسلامي بيروت في طبعة أنيقة.

ونحن نعرف أن شيخنا ومؤرخنا كان يدوِّن في مفكرته التي لا تفارق جيبه، كل الزيارات التي كان يقوم بها داخل الوطن وخارجه، وما يدور على الساحة الوطنية من أحداث هامة، نتمنى أن تلقى من ينشرها.

فقد أفنى عمره وجهده في جمع تراث الأمة، من مختلف المكتبات العامة في الجزائر وفي العالم، ومن المكتبات الخاصة عبر التراب الجزائري، يعمل بهدوء ورزانة وبصمت، يكره الأضواء والنرجسية، بسيطا في حياته، متواضعا تواضع المفكرين، رفض المسؤوليات السامية، حتى يبقى مع التراث والتاريخ.

وقد شاءت الأقدار أن يروح عنا الى الدار الباقية، بجسده وروحه إلا أن تراثه وأفكاره ومصنفاته الموسوعية المختلفة وما دونته قريحته ووجدانه ستظل باقية وخالدة مفيدة للدارسين والباحثين، وأتمنى أن ينهض تلاميذه لاستكمال العطاء العلمي والفكري وتحقيق التراث الذي سطره شيخ المؤرخين الجزائريين، لأن الجزائر وتراثها وتاريخها لا يزال في أمس الحاجة الى أمثاله، طيب الله ثراه وأسكنه فسيح جنانه.

 

هوامش:

(1) – حاضر في السنة الجامعية 1971 – 1972.

(2) – عندما بدأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في تطبيق الإصلاح الجامعي في السنة الدراسية 1971 – 1972  بدأت معها سياسة جزأرة الإطار الجامعي على الجزائريين في التدريس وفي التسيير بالجامعة، وبالتالي بدأ العد التنازلي، في تقليص التعاون مع الأجانب وخاصة المشرق.

(3) – الكتاب التذكاري عنوانه: دراسات وشهادات مهداة الى الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 2000.

(4) – عن دراسته و تكوينه الثقافي انظر: حسن فتح الباب: شاعر وثورة، دار المعارف للطباعة والنشر سوسة تونس 1991، ص11 – 35 .

(5) – ناصر الدين سعيدون: أبو القاسم سعد الله، كاتبا ومفكرا من كتاب دراسات وشهادات  ص 499 – 515.

(6) – جريدة الشعب : كتابة التاريخ 14/05/1990 ص511.

(7) – في هذا المجال، أي في قضية اللغة والتاريخ والتشرذم الثقافي، انظر ما كتبه أبو القاسم سعد الله في العديد من المقالات وما ألقاه في الكثير من المحاضرات نعالج فيها وضع اللغة العربية و التاريخ، انظر ناصر الدين سعيدوني: المرجع السابق   ص 499 – ص 515.

(8) – ناصر الدين سعيدوني: المرجع السابق ص 511.

(9) – أبو القاسم سعد الله جريدة الشعب 14/05/1989.

 

(10) – انظر في هذا بالشأن: ناصر الدين سعيدوني: المرجع السابق ص 514 .

 

(*) جامعة قسنطينة2

مقالات ذات صلة