شيوخُ المداخلة وأولو الأمر والمقاومة الفلسطينية (1)
لم تُبتلَ الأمة العربية والإسلامية في تاريخها السياسي والحربي، بمثل ما ابتُليت به اليوم من خيانات ومؤامرات وتواطؤ وتدليس وتزوير لمعاني الإسلام ومقاصده المثالية، وليٍّ لأعناق النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، بالتأويل الفاسد لصالح من يتولون الأمور، أو على حساب قضايا الأمة ومصالحها ومشاريعها الوطنية والقومية.
وقد اشترك في هذه الخيانات والتلفيق والتدليس على أحكام الشريعة، الحكام المطبِّعون مع الكيان النازي المعتدي المتوحش، الذي أباد شعبا ودمّر مدنه ودنس مقدساته ونسف مرافقه ومنشآته، ولم يترك حيا ولا جامدا ولا حجرا على حجر إلا وزرع فيه الموت والفناء، وقد سهّل لهذا النازي مهمة الإبادة الجماعية لسكان غزة ورفح، حكام العرب الخونة والعملاء من المستلبين والموالين والمطبِّعين، ويسّر لهؤلاء الخونة وزيّن لهم سوء أفعالهم شيوخ المداخلة وعلماء الوعظ السياسي، ممن باعوا آخرتهم بدنيا أولياء أمورهم، وهم الشيوخ الذين يفترض أن يصدحوا بكلمة حق، أمام سلطان جائر كما قال صلى الله عليه وسلم.
صحَّ عن طارق بن شهابٍ، أنَّ رجلا سألَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وقد وضعَ رجلَه في الغْرزِ، أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: “كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر”، أخرجه أحمد بإسناد صحيح، ويُستفاد من هذا الحديث أن العالم الحقيقي، ليس من تكدّست في ذهنه علومُ الأولين والآخرين من العلوم الشرعية، كثرة وغزارة وحفظا وقراءة ودراية وشرحا وتأليفا وتصنيفا، أو من جلس على كرسي الإفتاء أو الدعوة والوعظ والإرشاد، أو من تقلّد المناصب الرفيعة في المناصب الدينية أو الإمامة بالمصلين في المساجد الشهيرة، لوعظ الناس وإرشادهم وإفادتهم بما يستشكل على أفهامهم في فقه العبادة والمعاملة والزُّهد والورع والتقرب إلى الله تعالى، وإنما العالم الحقيقي هو من حاز علما نافعا ولو كان قليلا، مع تملُّكه كفاية الفطنة واليقظة والحذر والصدق في القول، والإخلاص في العمل والقدرة على الفهم واستنباط الأحكام الشرعية، التي بها ينير للناس طرق الفهم السليم، لمعاني القرآن والسنة والأحكام الفقهية الصحيحة، حين يختلط الحابل بالنابل ويكثر اللغط والهرج والمرج، ويتشوش الفهم على الناس في إدراك حقائق الأحكام الشرعية.
اشتطّ أحد متملقيهم في التقرب من وليّ أمره، حين أفتى أمام العالم بأنه “لا يجوز لأي كان من المسلمين اعتراض الحاكم إذا رآه يشرب الخمر أو يزني أو يلوط أو ضرب ظهرك أو أخذ مالك، فذلك لا يجوز لأنه يجلب المفسدة ويؤدي إلى الفتنة”، وهذه الفتوى من أكبر الكبائر بعد الشِّرك بالله، وهي تُبطل الإسلام من أساسه وتلغي تعاليمه ووصاياه الهادية، وتكذّب قصص اعتراض الصحابة للخلفاء الراشدين في بعض القرارات التي أرادوا اتخاذها اجتهادا.
وهي الأحكام المتعلقة بالعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، من الظالمين والمظاهرين للمعتدين على حقوق الأمة المشروعة بالقوانين السماوية والوضعية، مثل العلاقة بين الفلسطينيين والعرب والمسلمين، والكيان الغاصب ومعاونيه من المتصهينين، المشجِّعين على احتلال أرض المسلمين بالقوّة والجبروت والتزوير التاريخي، الذي جعل عصابات الكيان يعدّون أرض فلسطين التاريخية أرض أجدادهم، والحالُ أن أجدادهم طُردوا منها منذ أكثر من 2000 سنة، في قصة السبي الشهير على أيدي الأشوريين والبابليين ثم من بعدهم الرومان سنة 70م، وليس مقبولا عقلا ولا نقلا ولا قانونا، أن يأتي أحفاد الجيل الستين (يقدَّر الجيل بـ33 سنة)، ممن هجر أسلافهم بلادهم وديارهم منذ ألفي سنة كرها أو طوعا، واستوطنوا في روسيا وأوكرانيا وأوروبا الشرقية والغربية، ويطالبوا باستعادة أرض أجدادهم من غير بيان تاريخي، على نحو مَن قال بذلك مدعما آراء عصابات الكيان في أطروحاتهم، ممن فُرِّخوا من طينة الخونة من بعض السياسيين والمثقفين والإعلاميين من أعراب التطبيع، الذين باعوا دينهم وتاريخهم وأقوامهم وثقافتهم استرضاء لأولي الأمر منهم، ممن أصبحوا يتفاخرون بموالاة اليهود والنصارى المظاهرين للصهيونية الاستعمارية، بفتاوى زائفة وخارجة عن المقاصد الشرعية، خرّجها لهم شيوخُ المداخلة وعلماء الوعظ السياسي، من العملاء والموالين لأعداء الأمة ومشاريعها.
والعالمُ الحقيقي أو الشيخ الفهّامة ليس من يفتي حسب الطلب وهوى أوليائه، أو تخرّج من جامعات مرموقة، أو تلقى العلم على أيدي جهابذة العلماء والمفكرين، وحمل شهادات كبرى لها قيمتها العلمية والبحثية والأكاديمية، وإنما العالم الحقيقي والشيخ الزاهد هو من يستشعر الخوف من الله سبحانه ورقابته وحسابه، ويخشاه على ما ائتمنه على بيان الحق من الباطل، مما يسّر له تلقيه من علوم شرعية كثيرة كانت أو قليلة، أوجبت عليه إرشاد الناس بموجب ما تقتضيه المسئولية القرآنية والعلمية والفقهية في باب السياسة الشرعية، وخوفه من الله تعالى يجعله يتثبّت من تخريج الفتوى بعد التدقيق والتمحيص وتبصّر حيثيات المسألة محل الفتيا، ولا يُقدِم على تأويل النصوص وليِّ أعناقها أو تحريف معانيها عن مقاصدها الشرعية، استرضاء لهوى حاكم أو سلطان أو أمير أو صعلوك سياسي، ممن تستهويهم التأويلات الفاسدة لتحقيق أغراضهم الخاصة، ولا يقبل أن يُشترى بإغراء مالٍ أو بمنصب رفيع، أو بتقريب منزلة أو بنيل شهرة إعلامية أو وجاهة عند وليّ أمره، لأن المسئولية العلمية والخوف من الله يُوجِبان عليه أن يصدح بالحق، أمام وليّ الأمر إن جنح به الهوى والزيغ والمصلحة الشخصية، إلى العمالة للعدو وموالاته مخالفا معارضة شعبه مثلما فعله الكيان العلوي في المغرب، ونزع إلى الإفراط في الخيانة على حساب مصالح أمته، وقومه وثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم ورموزهم التاريخيين، من أجل تحقيق المصالح الشخصية لهذا الطرف أو ذاك، على نحو ما فعله المطبِّعون ومن أفتاهم وزيّن لهم أعمالَ التطبيع والخيانة، بالتأويل الفاسد وتحريف النصوص عن معانيها الأصلية، من شيوخ المداخلة وأتباعهم المقلّدين، من المهوسين بإتّباع سنن من وضعهم الإعلام، والدعايات الزائفة في مراتب ليسوا من أهلها، على شاكلة الرنتيسي والفزازي وعلي جمعة وصاحب فتوى “الجهاد بالسُّنن”.
وهؤلاء وغيرهم كثير ممن أفتوا بالهجوم على دولة مسلمة مجاورة، كالرنتيسي، أو من جعل إسرائيل ونتنياهو خيرا من جيرانه المسلمين، كما قال الفزازي، أو كمن قال إن الله يمكن أن يغفر لأبي لهب، لأنه واردٌ أن يتراجع الله سبحانه عن وعيده، وأن اليهود والنصارى والصابئة الذين كفروا بنبي الإسلام وشريعته، يدخلون الجنة مثل المسلمين كما أفتى بذلك علي جمعة، أو من جمهور المداخلة دعاتهم وأئمتهم في مساجد كبيرة بحرمتها وقداستها ومقامها عند الله، ممن سوّغوا التطبيع والعلاقات الحميمية مع الكيان المغتصب، مثلما استدل به –بالقياس الفاسد- حَبْرُهم الأكبر في الإمامة، على أن “النبي، صلى الله عليه وسلّم، مات ودرعه مرهونة عند يهودي” لتبرير التطبيع، مع أنه لا يجوز القياسُ بين المسألتين، لانعدام وجه الشبه بين المقيس والمقيس عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع يهودي موادِع (مسالم) بيعا وشراء، إذ ابتاع منه ثلاثين صاعا من الشعير لأجَل معلوم، وارتهن عنده درعا من حديد كان ثمنُها معادلا لصفقة الشراء، ضمانا على الوفاء بالتسديد عند الأجل، وهذا مخالفٌ للتطبيع مع عدو غاشم قاتل محتلٍّ سفّاك للدماء منتهِكٍ للحرمات، والتجارة بين المسلمين وغير المسلمين الموادعين حالة طبيعية ومقبولة شرعا، بينما لا تجوز مع المعتدين على ديار المسلمين وحقوقهم، وكذلك مع المظاهرين المناصرين المقاتلين مع العدو، كالدول التي تناصر الاعتداء الصهيوني على الفلسطينيين وأرضهم ومقدساتهم الإسلامية، وتمدّهم بالسلاح والمال والعتاد والدعم السياسي، لقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون”، (الأنفال:27).
هؤلاء وغيرهم كثير ممن أفتوا بالهجوم على دولة مسلمة مجاورة، كالرنتيسي، أو من جعل إسرائيل ونتنياهو خيرا من جيرانه المسلمين كما قال الفزازي، أو كمن قال إن الله يمكن أن يغفر لأبي لهب، لأنه واردٌ أن يتراجع الله سبحانه عن وعيده، وأن اليهود والنصارى والصابئة الذين كفروا بنبي الإسلام وشريعته، يدخلون الجنة مثل المسلمين كما أفتى بذلك علي جمعة، أو من جمهور المداخلة دعاتهم وأئمتهم ممن سوّغوا التطبيع والعلاقات الحميمية مع الكيان المغتصِب.
وخيانتهم الله ورسوله كما قال المفسِّرون “كانت بإظهار من أظهرَ من المنافقين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ، وهو يخفي الكفر والغش لهم في الباطن”، مثلما فعله منافق كان يستتر كفره ومودَّته لقريش، حين راسل أبا سفيان يكشف له خطة النبي صلى الله عليه وسلم السِّرِّية في الخروج لمناجزة قريش على غفلة، فنزلت هذه الآية في شأنه، وفي قوله تعالى ينهي عن موالاة اليهود والنصارى المعادين للمسلمين: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين” المائدة:51.
وإن كان نزول هذه الآيات ينطبق على يهود المدينة قبل الجلاء، إلا أن حكمها العامّ يجري على كل العصور حين يكون اليهود والنصارى معتدين على أراضي المسلمين وديارهم، فيتأكد تحريم موالاتهم والتطبيع معهم، وإقامة علاقات حميمية وتجارية وثقافية وسياسية معهم، أما إن كانوا مسالمين موادعين فتجوز العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وهذا ما يعرفه شيوخ المداخلة حق المعرفة، ولكن شغفهم بحب أوليائهم جعلهم يضعونهم في موقع التقديس والتبجيل، وعدم الوقوع في الخطأ في حال ما قدَّروا أن التطبيع في صالح شعوبهم، وقد اشتطّ أحد متملقيهم في التقرب من وليّ أمره، حين أفتى أمام العالم بأنه “لا يجوز لأي كان من المسلمين اعتراض الحاكم إذا رآه يشرب الخمر أو يزني أو يلوط أو ضرب ظهرك أو أخذ مالك، فذلك لا يجوز لأنه يجلب المفسدة ويؤدي إلى الفتنة”، وهذه الفتوى من أكبر الكبائر بعد الشِّرك بالله، وهي تُبطل الإسلام من أساسه وتلغي تعاليمه ووصاياه الهادية، وتكذّب قصص اعتراض الصحابة للخلفاء الراشدين في بعض القرارات التي أرادوا اتخاذها اجتهادا، وهي كثيرة يضيق المقام بذكرها، ومنها قول عمر بن الخطاب: “أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه”، فقام له رجلٌ وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناه بسيوفنا، فقال عمر: “الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه.
… يُتبع