شيوخ يقاومون الزمن ويتحدون التكنولوجيا بحرف بسيطة
أحنى الدهر ظهورهم ورسم خطوطه على وجوههم.. ومنحهم الصبر صلابة وإصرارا على التواصل في مشوارهم المهني رغم تغير الظروف والأزمة.. هم جزائريون تجاوزوا في الكثير من الأحيان عتبة الـ70سنة.. لايزالون رغم التطور التكنولوجي والحداثة يتمسكون بحرفهم ومهنهم البسيطة ويجنون منها “دراهم” بالحلال.. اسكافيون.. مصلحو ساعات اليد والمنبهات.. كتاب الرسائل والطلبات والمقالات الإدارية، يضعون طاولاتهم في ساحات عمومية أو بالقرب من مراكز البريد.
لفت انتباهنا ونحن نجول في شوارع حسين داي، شيخ في الـ80 سنة يدعى عمي احمد، يختبئ تحت مظلة شمسية ومحيط بالكرتون تحت حرارة بلغت 34 درجة وانحنى على تصليح حذاء بكل صبر والعرق يسيل من جبينه إلى ذقنه.. انه بكل بساطة إسكافي أحب حرفته.
أخذنا الفضول أن نسأله عن سر تمسكه بهذه الحرفة، فقال إنها أطعمت أولاده وخرجتهم رجالا ونساء يفتخر اليوم بهم، حيث بدأ عمله كإسكافي سنة 1969 ولم يستبدل حرفته بعمل آخر. قاوم البرد والحر ولم يمل يوما من حمل طاولته والقدم الحديدية التي يصلح عليها الأحذية ويرقعها.
غير بعيد عن عمي احمد وأمام مركز بريد حسين داي، يضع كتاب عموميون طاولاتهم، أكثرهم لا تقيهم من ضربة الشمس سوى قبعة وضعت على رؤوسهم، بينهم 3 كتاب تجاوزوا عتبة الـ70 سنة، قال أحدهم انه احترف كتابة الطلبات الإدارية وطلبات التأشيرة للخارج والرسائل الرسمية والمراسلات للقنصليات والسفارات والجهات الأجنبية، منذ 40 سنة.
لم تثن كل المراحل والتغيرات الاجتماعية عزيمته، وبقي يتفنن في سرد الكلمات والجمل الموجهة للإداريين والمسئولين باللغة الفرنسية، واستطاعت ان تحل الطلبات التي يكتبها مشاكل النساء والرجال والشباب.
قال “إن شباب اليوم لا يصبر و”مقلق” ويريدها “طايبة” على الكوك”، وهز رأسه متأسفا ورد “القناعة والصبر هما ما تحتاجه الجزائر اليوم في أبنائها.. نحن رغم ظروفنا القاسية لم نلجأ في شبابنا للسرقة والمخدرات”، ويضيف “عرفنا كيف نبني بيوتنا طوبة طوبة”.
هم كثر ليس في العاصمة فقط، فقد تجد في المدن الداخلية، رجالا طاعنين في السن وأيديهم ترتجف وأنفاسهم تقاوم وتقاوم.. يتذوقون حلاوة الحلال مع قطعة بيضاء لـ5 دنانير فقط.
يفترشون الأرض ويبيعون أشياء بسيطة، يخيطون أفرشة ويطلق على اسمهم “طراح” ويصلحون الساعات والمنبهات ويدققون في مكوناتها الدقيقة بعيون رغم عمشها إلا أنها ترى ببصيرة العقل والحكمة وتجارب الحياة.
عمار.. شيخ يبلغ من العمر 83 سنة، لايزال متشبثا بتصليح ساعات اليد في علاقة “عشق” لم تخترقها موجة التطور التكنولوجي، اختار من ساحة السكوار (بورسعيد) بالعاصمة مكانه المفضل، تعلم سياسة الشارع وجمع حكم المتشردين والمجانين والغرباء عن المنطقة.. علم أبناءه وزرع فيهم التطلع لغد أفضل. تحدث للشروق بهدوء وحكمة قائلا “لماذا كل هذا القلق من انخفاض سعر البترول!؟.. إن النفوس الهادئة والكادحة تسترزق من أبسط المهن والحرف وتربي بها أجيالا”.