الجزائر
مواجهات ساخنة في قضية بن عمر.. والمحاكمة تكشف:

صفقات “التراضي” و”الاستعجال” وراء تدمير مطاحن الدولة

نوارة باشوش
  • 4216
  • 0
أرشيف

انتقد قاضي القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، خلال اليوم الثاني لمحاكمة مجمع “عمر بن عمر”، المتابع فيها الإخوة بن عمر والوزيران الأولان السابقان، أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، ووزير الفلاحة السابق، رشيد بن عيسى ومن معهم طريقة “التراضي” والطابع “الاستعجالي” باختيار المتعامل الخاص بن عمر كشريك للمجمع “الرياض”، لتتحول الأمور من “الاستثمار” في المخبزة الصناعية” إلى الاستثمار في “المطحنة”، “المسمدة” و”وحدة إنتاج العجائن” ليتم في آخر المطاف الاستيلاء على المركب بأكمله، إلا أن المسؤولين من فئة الوزراء أرجعوا ذلك إلى إضراب الخبازين، تزامنا مع دخول شهر رمضان، ما دفع بالدولة إلى إيجاد حلول “استعجالية” لوضع حد لاحتكار الخبازين وتموين الساكنة بهذه المادة الأساسية ذات الاستهلاك الواسع.
وقد واصل قاضي الفرع الثاني للقطب الجزائي الاقتصادي والمالي، استجواب المتهمين، حيث تم الاستماع إلى الوزير الأول السابق، عبد المالك سلال.
القاضي: أنت متابع بإساءة استغلال الوظيفة ومنح امتيازات غير مبررة وتبديد أموال عمومية وتعارض المصالح.. هل تنكر أم تعترف..؟
سلال: سيدي الرئيس.. أنا أنكر جميع التهم الموجهة إلي جملة وتفصيلا، فأنا أتعجب من اتهامي في هذا الملف، لأنني لم أقترف الوقائع المنسوبة إلي.. وفي اتفاقية الشراكة بين عمر بن عمر مع الرياض، وأنا كوزير أول احترمنا كل الإجراءات وقوانين الجمهورية، ولم أتخذ أي قرار في هذا الشأن، بل الأمور جرت وفقا لما تمليه المعاملات في هذا الشأن، كما أن المبادرة لم تأت من الوزارة الأولى بل من وزارة الفلاحة.
القاضي: وماذا عن الإرسالية التي قمتم بتوجيهها إلى وزير الفلاحة بتاريخ 21 أكتوبر 2012..؟
سلال: الإرسالية تتعلق بإعادة تأهيل مركب قورصو للمطاحن الموجهة إلى وزير الفلاحة والتنمية الريفية. وكانت ردا على إرساليته التي اقترح من خلالها الدخول في شراكة مع مجمع الرياض الجزائر، لإعادة بعث نشاط مركب قورصو المتوقف من جراء زلازال بومرداس، وتدخل أيضا في سياق سياسة الدولة وبالأخص قرارات مجلس الوزراء لإيجاد حل لأزمة الخبز آنذاك وسعره. وذلك عن طريق إنشاء مخابز صناعية.
وتابع سلال: “الدولة آنذاك أرادت الدخول في مرحلة الإنعاش الاقتصادي، وقررت الدخول في الشراكة مع القطاع الخاص من خلال إعطائه الأفضلية بنسبة 66 بالمائة و34 بالمائة للقطاع العمومي.. سيدي الرئيس، بعد زلزال 2003 الذي ضرب ولاية بومرداس، منحنا جميع الإمكانيات المادية لإعادة تأهيل مركب قورصو، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، وعلى هذا الأساس فكرنا أنه من الأحسن والأجدر أن ندخل فيه شريكا خاصا، حيث أنه وقبل دخول عمر بن عمر كشريك، كان هناك 3 محاولات، الأولى مع شركة “بلانكي”، والثانية مع المجمع التونسي “رفاس”، ثم مجمع “لابال”، لكن كلها باءت بالفشل.
القاضي: لكن، كيف وقع الاختيار على مجمع بن عمر بالذات..؟
سلال: سيدي الرئيس، قلت لكم إن وزير الفلاحة والتنمية الريفية اقترح الدخول في الشراكة من أجل إعادة تأهيل مركب قورصو، وخاصة إنجاز مخبزة صناعية عصرية، مجمع عمر بن عمر كمتعامل وحيد للدخول في الشراكة، وجاء في مراسلة الوزارة الأولى الممضاة من طرف مدير الديوان ردا على وزير الفلاحة مع مجمع “سيقرو” ومجمع بن عمر للدخول في مفاوضات بخصوص الشراكة، وفي حالة التوصل إلى اتفاق عرض الملف على مجلس مساهمات الدولة الذي يتمتع بكل الصلاحيات لاتخاذ القرارات بشأنها وفقا للقوانين المعمول بها.

القاضي: ألا تعتبر مراسلة الوزارة الأولى بمثابة تعليمة لوزير الفلاحة؟
سلال: أبدا سيدي الرئيس. مراسلة الوزارة الأولى لم تتضمن تعليمة لوزير الفلاحة للدخول في مفاوضات مع مجمع بن عمر عن طريق مجمع “سيقرو”، دون تنبؤ بنتيجة المفاوضات بين الطرفين، كما هو معمول به مع عدة شركات تسيير عمومية والقطاع الخاص الوطني والأجنبي.
وأردف سلال قائلا: “هذه القضية في الأساس هي قضية تجارية بين عمر بن عمر ومجمع “الرياض”، فالشراكة من صلاحيات “سيقرو” و”الرياض” وليس من صلاحيات الوزير الأول، كما أن “الشراكة مثل الزواج” إما يعجبني الشريك وأكمل معه المشوار، أو لا يعجبني وتتوقف الأمور عند بدايتها”، ولكن في آخر المطاف، وحسب خبرتي كمسؤول وكوزير، فإن 90 بالمائة من الشراكة بين القطاع العام والخاص لم تنجح، أما بخصوص قورصو، فنحن أردنا من خلال هذه الشركة جلب شريك إستراتيجي، وكان من الضروري إدخال تجهيزات عصرية لصناعة الخبز.. فوالدي- رحمه الله- كان خبازا وأعرف ما معنى ذلك، فعملنا على توفير النوعية والحفاظ على سعر الخبر، لأن حكومة أمس واليوم والغد من المستحيل أن ترفع سعر الخبز، ولازم تحافظ عليه لأنها تخاف من “انقلاب الشارع” عليها”.
وبخصوص اللائحة الثانية، قال سلال: “لا يوجد اتفاق بين الطرفين ومن المستحيل مواصلة الشراكة. وعلى هذا الأساس ألغينا هذه الشراكة واتخذنا قرارات للحفاظ على مصالح الشركة العمومية.. أين هو الامتياز الذي منحته لبن عمر.. قال لكم خلال استجوابه إنه اتخذ جميع الإجراءات القانونية لإبرام الشراكة، الملف كان سليما ومطابقا للقانون، وما جاء في الملف تمت دراسته في الوزارة الأولى. أنا أتأسف لأن الشراكة لم تنجح لأنه لم يخدم الاقتصاد الوطني”.
القاضي: وماذا بخصوص صلاحيات اختيار الشريك؟
سلال: لا، لم نختر الشريك. أنا علمت بهذا الأخير عندما جاءت الرسالة من عند وزير الفلاحة. فهو من اقترح الأمر وأبلغنا بالشراكة بين مجمعي الرياض وبن عمر.
القاضي: ما هو دورك كوزير أول في الموافقة كونك تترأس مجلس مساهمات الدولة..؟
سلال: المجلس مكون من 11 وزيرا، وأنا رقم 12، والملف وافق عليه جميع الأعضاء، بعد طرحه على جدول أعمال المجلس الوطني للاستثمار من طرف المدير العام للوكالة الوطنية لتطوير الاستثمارات، الذي يقترح بدوره منح الامتيازات، ويقوم بذلك بعد لائحة المجلس الوطني للاستثمار ووزير الصناعة الذي يؤهل الملف كونه الوزير الوصي على الوكالة وبموافقة من وزير الفلاحة كعضو في المجلس الوطني للاستثمار طبقا لقانون الاستثمار.
القاضي: الأولوية كانت لبعث المخبزة الصناعية..؟
سلال: اللائحة واضحة، هي إعادة بعث قورصو والانطلاق بسرعة في الشراكة، لأننا كنا على مقربة من شهر رمضان، ومشاكل سعر الخبز والملف الذي وصلنا كان بخصوص إعادة تأهيل مركب قورصو.
القاضي: هل كان بإمكانكم التحفظ عن الشريك بن عمر. أين تم دراسة الملف؟
سلال: الملف يتم دراسته على مستوى الرياض ثم بن عمر ثم “سيقرو”، ثم وزارة الفلاحة وبعدها وزارة الصناعة. الملف لا يأتي مباشرة إلى مصالح الوزارة الأولى.
القاضي: يعني توافقون مباشرة؟
سلال: نحن ندرس الملف ونجتمع مع مجلس مساهمات الدولة. وهناك يتم اتخاذ القرار. وإذا رفض أي وزير، فيتم الرفض. وأنا دوري يقتصر في ترؤس المجلس فقط. أنا أحافظ على تطبيق القوانين. وإذا كان الملف مطابقا لقوانين الجمهورية تتم الموافقة. لماذا أرفضه؟ إذا كان موافقا للقوانين، أنا كوزير لدي صوت واحد، مثلي مثل باقي الوزراء، وإذا تمت الموافقة عليه رغما عني وهو غير قانوني أرفضه وأخبر رئيس الجمهورية بذلك.

لجأنا إلى التراضي والاستعجال لإنقاذ ” قوت الجزائريين”

القاضي يستجوب وزير الفلاحة والتنمية الريفية سابقا رشيد بن عيسى
القاضي: كنت وزيرا للفلاحة بتاريخ الوقائع. ماذا تقول بخصوص التهم الموجهة إليك؟
بن عيسى: سيدي الرئيس. أنفي جميع التهم المنسوبة إلي. صحيح، كنت وزيرا للفلاحة آنذاك إلى غاية سبتمبر 2013، كنت أطبق سياسة الحكومة، خاصة أن الحكومة في 2008 كان لها تركيز كبير حول إنعاش الاقتصاد خاصة بعد الأزمة وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وفي المقابل، ارتفاع أسعار النفط. وكان على الحكومة اتخاذ قرارات تتناسب مع الأوضاع التي سادتها الهشاشة. وكنا نفتقر إلى أدوات الضبط، وتوقفت عملية الخوصصة للمؤسسات العمومية وتم إصدار عدة قوانين في هذا السياق”.
وواصل بن عيسى تصريحاته: “وفي عام 2011 جاء ما يطلق عليه ثورة “الربيع العربي” وما صاحبها من الاحتكار الذي أسفر عن خلق أزمة الزيت والسكر، فاقترح مجلس مساهمات الدولة سنة 2012 إعادة تأهيل كل الوحدات التابعة لمجمع رياض وتوقيف مسار الخصخصة، ولكن لم أكن مصدر القرار.. بحثوا عن شركاء للمخابز الثلاث على مستوى الوطن، فتنقلت إلى ولاية ڨالمة لهذا الغرض، والبحث في الشراكة العمومية، ولم تكن وجهتنا قالمة فقط بل ولايات عدة.. تلقيت دعوة من والي بومرداس من أجل زيارة مركب قورصو، (المخبزة الصناعية المهملة)، وجدته مجمدا رغم مسح كل ديونه في 2012 فأكد الخبراء هناك أن المطحنة بإمكانها إعادة العمل في غضون 3 أشهر، فاشترطنا توظيفا اقتصاديا، وكان أول توجيهي والتوجيه الثاني حول الصوامع وإعادة تصليحها”.
وتابع المتهم: “وبعدها بـ 6 أشهر تنقلت إلى ولاية بومرداس في إطار معرض الفلاحة في طبعته الأولى، خلال ذلك حدثني الوالي عن مركب قورصو والمشاكل التي كان يتخبط فيها، واقترح علي زيارته، فوافقت على ذلك، وتنقلنا إلى عين المكان، وكنت أظن أن الأمور تسير على ما يرام، غير أني وجدته متوقفا ومهما، رغم كل القرارات التي سبق اتخاذها من خلال: أولا إعادة التهيئة، ثانيا منح قروض دون فائدة، وثالثا مسح الديون.. كنا نتحدث عن تطبيق سياسة الدولة، حينها أخبرني التقنيون بأن المطحنة يمكن تسييرها خلال 3 أشهر. ونبهتهم إلى ضرورة التوظيف الاقتصادي، وليس عن طريق المحاباة حتى لا نعود إلى المشاكل القديمة، ومنحتهم توجيهات أخرى بخصوص الصوامع وطلبت منهم دراسة الأمر مع مكاتب الدراسات وشددت على ضرورة التحرك بالنظر إلى أهمية المركب في وسط البلاد وإعادة بعثه، خاصة أن أغلب الوحدات تم بيعها والباقي كان متوقفا.
القاضي: هل في تلك الفترة ظهرت “لابال” أم لا؟
بن عيسى: لا هذا قبل، المركب بدأ في التوقف في 1998 والمخبزة توقفت في 2003 وتوقفت الصوامع وبعدها المسمدة والوحدة التي تصنع العجين. وحسب معلوماتي، تقدم شريك من جنسية تونسية ولكن الشراكة لم تتم وبعدها شركة “لابال”، وكان مجلس مساهمات الدولة قد اجتمع في جانفي 2008، أين تم تسجيل قبول “لابال” ولابد من إعادة مباشرة المفاوضات معه وعدم بيع الصوامع لأنها تدخل في سياسية ضبط الدولة، وكان هناك نقاش بينهما وفي 10 جوان 2008 تم الاتفاق ولكن كانت الأزمة المالية”.
وأردف بن عيسى: “كنا في خوف كبير. تغيرت الحكومة وتغيرت معها السياسة. في البداية كانت سياسة الخوصصة التامة لمؤسسات الدولة وبعض مؤسسات مجمع الرياض كان قد سبق بيعها، وعندما تغيرت سياسة الدولة تم التراجع عن هذه السياسة وتوقيف عمليات بيع الشركات العمومية… كان هناك ارتفاع في أسعار المواد والنفط. كنا في نفس الأزمة الحالية وكان لابد أن يكون للدولة أدوات الضبط وتوقيف خوصصة الوحدات التي لها دور يومي في حياة المواطن، وجاء في قانون المالية التكميلي 2009 مبدأ الشراكة العمومية الخاصة، في 2010 جاء قانون العقار الفلاحي المتعلق بإعادة دور الدولة في الضبط، وبعدها جاء الربيع العربي في أواخر نوفمبر بدأت مشاكل السميد والفرينة وفي ديسمبر مشكل الحليب ثم السكر والزيت، الربيع العربي أكد لنا أنه لابد أن يكون للدولة أدوات الضبط ولابد للدولة أن تتدخل، في أواخر سنة 2011 كانت هناك تساؤلات لماذا هذه الوحدات لا تعمل مع منتجي الفلاحة وتقرر خلق انسجام بين فلاحين منتجين وديوان الحبوب. وهكذا كان بعد 5 أشهر تم عقد مجلس وزاري للدولة وتقرر إعادة التأهيل من خلال مسح الديون…
القاضي: ما هي ظروف اختيار مجمع عمر بن عمر بالتحديد؟
بن عيسى: زيارتي كانت في 5 أكتوبر 2012، وزيارته كانت في 11 أو 12 أكتوبر. وجاءني عرض حال من عند المديرة العامة لمجمع “الرياض”، جاء في عرض الحال أن بن عمر أعجب بالمركب وقال إنه مستعد للشراكة في المخبزة الصناعية والمركب ككل، وعرض الحال كان يسأل عن رأي الوزير في هذه الشراكة وتم وضع مذكرة توضيحية شاملة وكان الموقف أن المركب وحدة متكاملة وأنه لا يمكن إبرام شراكة في المخبزة فقط إما أن نؤهله وحدنا أو نؤهله في إطار شراكة عمومية خاصة. هذه المذكرة وعرض الحال قمت بتحويلهما إلى الوزير الأول الذي هو رئيس مجلس مساهمات الدولة بعنوان الرياض، ورئيس مساهمات الدولة هو الوحيد الذي يسمح بالشروع في المفاوضات أو لا، وأنا قمت بتحويل المعلومات والمعطيات وكتبت مثلما تقول اللائحة، فأنا وضعتها تحت تصرف الوزير الأول ولم أقترح ولم أطلب منه شيئا ولم أقل إني أنتظر منه شيئا.
القاضي: هل طلبت إذنا من أحد؟
بن عيسى: لم أطلب إذن أحد. راسلت الوزير الأول مباشرة بصفته رئيس مجلس مساهمات الدولة، وقلت أضع تحت تصرفكم وفق القانون. وهذا ما قمت به. والرسالة لم يتم العثور عليها من طرف الضبطية القضائية ووجدتها أنا بفضل هيئة دفاعي على مستوى الوزارة الأولى. لست مصدر قرار لا قانونيا ولا فعليا حتى هناك من قال لي: “واش دخلك في هذا الشغل هذوك من صلاحياتنا ووفق قانون التجارة”.
القاضي: تكلمت مع الوزير الأول في إجراء التراضي البسيط أو فقط مع مدير الديوان؟
بن عيسى: تحدثت مع مدير الديوان فقط.
القاضي: ما رأيك في التراضي البسيط؟
بن عيسى: كان الهدف البحث عن شريك.
القاضي: هل كان عنصر الاستعجال أم لا؟
بن عيسى: كسلطة تنفيذية، لدينا برنامج خماسي. لدينا برامج كل 5 سنوات، كنا في شهر أكتوبر وكان علينا تسيير المخبزة، خاصة وأننا كنا على مقربة من شهر رمضان هو مبدأ عمل، والمركب يكتسي أهمية كبيرة ووصلنا إلى مرحلة لم تكن لدينا أي أداة ضبط، لماذا في ولاية سطيف لا يوجد أزمة خبز وسميد لأن لديهم وحدة عمومية تعمل وهنا في الوسط الوحدة تم بيعها والوحدات المتبقية كانت تعمل في إطار تجارة، الاستعجال في الشراكة لم أقترحه أبدا، “هاذي استعجال مكاش منها”.
القاضي: لم تتلق أي ضغوط بشأن هذا الملف؟
بن عيسى: لا، أبدا.. كنا نعمل في إطار القانون لا غير.

مقالات ذات صلة