صناعة الموت.. وصنّاع الحياة
منذ أن بسط قابيل سلاحه لقتل أخيه أنانية واستحواذا.. بدأت صناعة الموت وثقافة الموت التي لم تتوقف لحظة على سطح البسيطة.. واكتمل المشهد التراجيدي بأنْ علّم الغراب ابن آدم كيف يواري سوءة أخيه بعد أن قتله.. منذ تلك اللحظة وللموت طقوس ومسعّرون وإن اختلفت الدوافع وتنوعت الطرق وصولا إلى القتل بالجملة والإبادات الجماعية كما حصل في أمريكا ضد الهنود، وكما حصل في الجزائر ويحصل في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها من بلاد الله.
والموت صناعة تجلب الأرباح والفوائد الجمة لأصحابها، ولذا جهزوا لها مختبرات ومتخصصين في البحث والأمن والدعاية ومن ورائهم تجار كبار وشركات ضخمة ومصانع سلاح وأدوية وأكفان وغير ذلك.. الموت اليوم لم يعد تعبيرا عن نزوة فردية وانعكاسا لغضب استبدّ بصاحبه.. إن الموت الآن صناعة يقوم بها أناس وهم في كامل لياقتهم البدنية والعقلية، وهم يسلكون هذا النهج لتحقيق المزيد من الثروة وإلهاء الضعفاء في أنفسهم واستنزاف ثروات الجميع.. لقد أصبح للموت أبطاله وأحزابه وحكوماته.. فلقد حوّل الغرب الاستعماري الموت إلى مجال استثماري فهم إن أرادوا حل مشكلاتهم الاقتصادية يقومون بشن الحرب، وإن هم رأوا أن مصانعهم قد تصاب بالكساد ومنتجها أكثر من الطبيعي فإنهم يشعلون الحروب.. الغرب الاستعماري يستبيح كل شيء من أجل توفير شروط تفوقه ورفاهه وتحطيم خصومه الحضاريين، فهو من جلب شذاذ الآفاق من الصهاينة ليمنحهم أرض فلسطين تحت غطاء عسكري سياسي غربي واسع، وجعل القضية الفلسطينية ولواحقها في المنطقة ميدانا للتفجير المستمر والموت المحقق.
وللحياة صناعها.. أولئك الذين يتصدون للموت ويدافعون عن الإنسان وحقه في الحياة الحرة الكريمة.. أولئك الذين يتصدون للموت الأعمى الذي يأتيهم من كل حدب.. موت كموج البحر يتقاذف عنفا جنونيا على أجنحة الصواريخ والطائرات والغواصات والقنابل الذرية.. ولصناع الحياة أخلاقهم؛ فهم يرفضون القتل ويتصدون للجريمة ويميزون بين الظالم والبريء ولا يأخذون أحدا بوزر آخر.. لصناع الحياة شغلهم في البناء والإعمار والثقافة والحضارة ولهم في الحياة جهودٌ جبارة لا تتردد في الدفاع عن الإنسانية.. وكان الإسلام وفتوحات الإسلام الصفحة الإنسانية المشرقة، كما عبّر عن ذلك المؤرخون الأروبيون المنصفون، لأن حركة المجتمع بكل أجنحته محكومة بقيم وقوانين تبحث عن صناعة الحياة وتوفر أسبابها لأن الرسالة التي يحملها المسلمون رحمة للعالمين.
بين صناعة الموت التي يجيدها الغرب الاستعماري، وصناع الحياة الأبطال في العالم الإسلامي صراعٌ طويل في حروب معارك التحرير واستطاع أبطال السلام والحياة انتزاع حرية شعوبهم وحياتهم من فم الوحش الغربي.
وامتدت صناعة الموت لتصنع أفكارا وديانات واجتهادات ملونة بديانات سماوية كالصهيونية والقاديانية والبهائية، وأخيرا مجموعات القتل المنتشرة في بلاد العرب والمسلمين.. ونشط المستشرقون في صياغة عقول فئة ضالة وأفراد مهمشين ليكونوا وكلاء في القتل والتدمير والتخريب.. ومختبرات الغرب لا تتوقف عن إنتاج أدوات القتل وأفكار القتل..
إن الضمير الإنساني يصرخ إزاء كل اعتداء على الإنسان ويهتف أن أوقفوا الجريمة، فالإنسان هو الإنسان مهما كان لونه وعرقه ودينه.. والمجرم هو المجرم لا يُنسب إلى دين أو قوم، إنما إلى جريمته النكراء.. ولعله من المناسب أن ينهض المفكّرون الغربيون والإعلاميون للتنبيه من مخاطر ما يرتكبه الغرب في تدعيم مجموعات الإرهاب والقتل في بلاد العرب والمسلمين.. فإن طبخة السمّ القاتل التي يعدّها الغربيون الاستعماريون للأمة ينلفت بعضها فيصيب أبرياء مظلومين في شعوب الغرب..
ندين العنف كله والإرهاب جملة وننحاز مع المستضعفين أينما كانوا في الضاحية الجنوبية وفي غزة وسورية والعراق كما في فرنسا وغيرها.. تولانا الله برحمته.