صيصة أبو دوح.. الأمّ التي تنكّرت أربعين سنة في هيئة رجل!
تقاسيم وجهها تروي قصة تمثيلية بارعة استمرت فصولها لأكثر من أربعين عاما، وجه ظل يتكلّف تماثله مع وجوه الرّجال، حتى تمرّس على ملامح ذكورية، وحنجرة صحلت بصوت خشن بحوح حتى تطبّعت على ذلك.
هي عاطفة الأمومة عندما تتأجّج تصغر أمامها كل العقبات، لذلك لم تلقي السّيدة المصرية “صيصة أبو دوح” بالا لشكلها كيف سيبدو، أو لأنوثتها التي سيمسخها التقمص يوما بعد يوم، بل كل ما كانت تفكر فيه هو توفير لقمة العيش الحلال لفلذة كبدها.
صيصة أبو دوح هي أرملة مصرية صعيدية تبلغ من العمر 64 عاما، بدأت معاناتها في سبعينات القرن الماضي، بعد وفاة زوجها، فلم تجد لها عائلا هي وابنتها، ولأنّ أعراف الصعيد لا تسمح بخروج المرأة للعمل، وجدت نفسها مضطرة للتنكر في زي الرجال، وأصبحت تخرج كل صباح من منزلها الواقع بمركز “البياضية” في محافظة الأقصر، مرتدية جلابية وطاقية اللفّ التي يرتديها رجال الصعيد، وتنطلق باحثة عن عمل فاشتغلت في رفع الطوب والإسمنت، وفي الفلاحة قبل أن يتقدم بها السن وتستبدل أعمالها الشاقة بمسح وتلميع الأحذية في الشوارع.
مغامرتها لم تكن سهلة في البداية لأنها لم تكن تتقن دور التنكر ببراعة، تقول صيصة حسبما نقلته عنها وسائل الإعلام أن بعضهم كانوا يكتشفون أمرها، ويتعرضون لها بالتهديد والاتهامات، مع ذلك واصلت مغامرتها مبررة ذلك بالقول ” مسؤولو المحافظة تركوني لشقائي منذ وفاة زوجي، لم يستجب لمطالبي أي منهم، وكأنني غير موجودة..وسط العيشة المُرة لا بدّ أن تكون رجلا، وسط أشباه الرجال والعقول والأخلاق التي لم تعد موجودة ”
وكأنّ الشّقاء كتب على جبينها عنوانا، لتكتمل مثالية هذه المرأة إلى حدّ أشبه بقصص الأفلام، فصيصة اِستمرت في العمل حتى بعد تزويج ابنتها لأنّ هذه الأخيرة أصيب زوجها بمرض حرمه من القدرة عن العمل فأبت إلا أن تواصل بذل الفضل و وإعالة ابنتها وأحفادها.
بعدما تقدم بها السّن قرّرت أن تعمل في مجال التجارة، فتقدمت بطلب لجمعية الأورمان من أجل الحصول على كشك، فتمت الاستجابة خلال 48 ساعة، بعد أن وجه محافظ الأقصر السابق اللواء طارق سعد الدين، سرعة استخراج رخصة كشك بموقف البياضية بالأقصر، وقرر اللواء ممدوح شعبان، مدير عام جمعية الأورمان، إعفائها من سداد الأقساط المطلوب سدادها للكشك تقديرا لرحلة كفاحها .
وهاهي الحياة تبتسم أخيرا للأم البطلة بحلول يوم الأمهات العالمي قبل يومين، حيث تم تكريمها من طرف رئيس الجمهورية المصري عبد الفتاح السيسي، كأفضل أم على مستوى جمهورية مصر، وطلبت منه توفير أحد المحال، كي “ترتاح” قليلا من عناء ومشقة العمل الرجالي، وتعود مرة أخرى إلى طبيعتها كأنثى.
وفور ظهورها عبر الفضائيات العربية، وانتشار قصتها عبر المواقع الالكترونية، انهالت التعليقات والإعجابات من كل البلدان العربية، ورغم تباين المواقف بين مؤيد لتنكرها في هيئة الرجال وبين معجب ومقدّر لشخصها، اِستطاعت صيصة أن تدخل التاريخ بفضل تضحياتها المنقطعة النظير، حيث اِستلهمت الكثير من الكتاب والإعلاميين وباشروا بتخليد قصتها من خلال أعمال روائية و فنية.
مقطع فيديو للقاء مؤثر جدا مع صيصة أبو دوح