-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

صَدمةُ المستقبل.. وصَدمَة كورونا!

صَدمةُ المستقبل.. وصَدمَة كورونا!
ح.م

لم يُرِد النَّاس أن يُصدِّقوا صَدمة المستقبل، ولكنهم اليوم بدأوا في تصديق صَدمة “كورونا”! رغم أن صَدمتَها ليست سوى جزءٍ يسيرٍ من صَدمة المستقبل! وكأن الناس استمروا في رفض أن الأمة التي لم تتمكن من استيعاب صدمة المستقبل، ومن التكيف معها، ستتمكن من امتلاك عناصر القوة ومن البقاء! إلى أن جاء هذا الوباء، وأيقظ فينا الأمل في أن  َنعترف جميعا، أنَّ مشكلتنا بحق، هي مع المستقبل، وليست مع الماضي ولا حتى مع الحاضر… !

فِكرةٌ لَطَالما وصَلَتْ مَسامِعنا بطريقة أو بأخرى، ولكننا لم نلق لها بالا.. وواصلنا التفكير بقواعد “منطقٍ” عفا عنه الزمن، مُستخدمين مصطلحات تَبدَّل معناها أكثر من مرة، (الثورة، الحساب، العقاب، إلى الأمام…)، تُراودنا تطلعات نعتقد أنها من المستقبل، وهي لا تعدو أن تكون محاولاتٍ يائسة لاستعادة ذكرى أحلامٍ ماضية، لم نتمكن من تحقيقها… ولذلك كُنَّا، باستمرار، نعجز عن تجسيدها في الواقع، أو إعادة الحياة لها، لأن أوانها، بالفعل، كان قد فات…

وهكذا بدل أن نسعى لاكتشاف الحقيقة الصادمة التي جاءنا بها المستقبل، تَركْنا العَنان لغرائزنا تُدخِلنا متاهة البحث فيما ارتكبناه من أخطاء في الماضي لأجل محاولة إرضاءٍ واهمة للنفس، من خلال الانتقام لها تارة، والكذب عليها أخرى، بزعم استرداد الحرية والعدالة والحقوق، وإمكانية تشكيل مستقبل واعد. حتى وإن كُنّا نرى رأي العين كل تداعيات ذلك فيما حدث لغيرنا ولا نُبالي!

ولم يكن لعقلنا وهو في زخم الحركة أن يُصدِّق بأن مشكلتنا بالأساس مهما كانت مظاهرها سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، إنما لها علاقة بصدمة المستقبل. ولا كان لهذا العقل أن يعي أننا  لن نتمكن من تجاوز أي هذه المشكلات، إذا لم نضعها في نطاق صدمة المستقبل، بل عكس ذلك، سنبقى ندور في حلقات مفرغة ستؤدي بنا طال الزمن او قصر، كما أدت بغيرنا، إلى الصراع الذاتي فالداخلي فالاندثار بدل اعتماد الذكاء  والعبقرية والابتكارلمقاربة واقعنا الجديد.

ولم يتمكن هذا العقل من استعادة بعده المستقبلي الغائب، إلى أن وجد نفسه على حين غرة أمام صدمة “كورونا”.

في هذه اللحظة بالذات تكون موازين القوى قد تبدلت لصالح العقل العارف، الناظر للمستقبل، المُقتنع بأن مشكلاتنا الأساسية لها علاقة بصدمة المستقبل إِنْ على صعيد بناء مؤسسات الدولة أو إعادة تنظيم المجتمع وتعليمه والسهر على صحته وإعادة تربية الانسان فيه، أكثر مما لها علاقة بمُخلفات الماضي من عقل جامد وفساد وهيمنة للغرائزية عند إدراك طبيعة التحولات الحاصلة على صعيد مستقبل العالم وما ينتظره من تطورات وأزمات…

لذلك أصبح لزاما علينا اليوم مراجعة منهجية العمل كلية (إن استطعنا)، والانتقال من أسلوب التفكير وفق منهجية الاستفادة من خبرات الماضي إلى منهجية التفكير من الاستفادة مما سينتج عن صدمات المستقبل القادمة. وهذا يستلزم إعادة تشكيل عقولنا وفق ما هو آت بعد “كورونا”، باعتبار الصدمات ستتوالى.. ويُفتَرَض أن  نصل إلى قناعة تامة أن كل الخلافات التي بيننا ستبدو ثانوية إذا ما عَرَضناها أمام مرآة المستقبل، وأنه لا يوجد طرف في هذا البلد يُمكِنُ الاستغناء عنه، كما لا يوجد طرف في هذا البلد يُمكنُ تحميله وحده مسؤولية العجز أمام المستقبل الذي بسببه انهارت كثير من الدول واختفت كثير من الأمم والحضارات.

لِنتفق على أمر واحد، ونُوحِّد كافة جهودنا لأجل تحقيقه: كيف نَصمُد، ثم ننتصر أمام صدمة المستقبل، كما نفعل اليوم مع صدمة “كورونا”… هذه المنهجية ستُمكِّنُنا لا محالة من حلِ كثيرٍ من إشكاليات الحاضر وحتى الماضي، وتجاوز الكثير من الأحقاد والكراهيات ومحاولات الانتقام من أي طرف كان.

إن الانتصار أمام صدمة المستقل وأمام “كورونا” لا تصنعه سوى الوَحدة، ولا يضمنه سوى التسامح والأمل في الله والانسان والوطن…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • محمد جبالي

    تحية طيبة استاذ .

  • محمد جبالي

    التفهم
    التفهم هو الوسيلة المثلى للتفاهم . تمنينا ان نتفاهم على الحد الادنى من المعرفة العلمية المطلوبة للحفاظ على سلامة الجميع .
    التفاهم هو مخرج التفهم المناط به توفير الجو المتبادل للوصول الى الحلول الاستباقية العلمية التي تتخذ العلم منطلقا لها .
    تثبت الحياة لنا كل مرة اهمية و جدوى العلم في مواجهة الازمات ة هاهي البشرية جمعاء مستنفرة من اجل حل علمي للغز محير .

  • alilao

    مسؤولية النخب الجزائرية كبيرة فيما حدث في بلادنا من انحرافات وفساد سياسي. في الوقت الذي كان الحكام ينهبون ويعيثون في الأرض فسادا كانت النخب والمثقفون والمفكرون – إن صحت هذه الأوصاف في حقهم – تركز نظرها على المستعمر إما مدحا وتبجيلا وإما سبا واتهاما وفي كلتا الحالتين كانت حصيلة عملها مضيعة لوقت ثمين للشعب وصرفا مجرما لنظره عن الحقائق المرة التي يعيشها وهنا تكمن مسؤولية نخبنا.

  • محمد

    مشكلة المستقبل مشكلة فلسفية تقتضي تعريف الزمن والمكان.ذلك أن المستقبل في أذهان البعض تخيل لما هو آت لكننا نعلم أن النفس لا تعرف ماذا تكسب غذا وما تدري نفس بأي أرض تموت,ثم إننا نعتقد أن الآخرة للمتقين العاملين لآخرتهم وفق ناموس الحياة.لأن المستقبل مبهم فإنه يستوجب على العاقل الاقتباس من الماضي ما يساعده على القيام بواجبه في الحاضر لينجح فيما سوف تفرضه عليه الظروف المستقبلية التي لا يمكن إلا تصورها.إذن لو امتنع الفرد العاقل عن اتخاذ العبرة من ماضيه وماضي مجتمعه والإنسانية جميعا لا يستطيع مواجهة لا حاضره الذي يلقاه ولا مستقبله الذي لم يراه بعد.فبضل الاعتماد على الماضي والحاضر نواجه المستقبل بقوة.

  • نمام

    هذا الوباء الذي اسقط العالم بكباره و صغاره في ديبلوماسية الكمامات حتى عاد يخطط لقرصنتها انا تعرية لعالم مزيف عالم نفاق وبلاهة الصغار دولا ادعت العظمة اذلها كم كان السقوط مدويا ومخجلا تراكمت الثروات في كف دول وترنحنا تحت ما تبثه من ارقام ومن اخترتعات ومن تجبر حتى الفضاء ارادوا تقاسم ثرواته وهكذا قاد المال السياسة واصبح صنما نجثوا له وكل في خدمته ترامب مثلا وفجاة ما نرى هل يبقى تحالف السياسة المال و العسكر اما يكون ترتيب و غدا اخر هل يزحف الزنوج ويظهر مارتن لوثر جديد في امريكا ويفهم الناس بان العلم لا يجافي الدين ولكن موازيه و ما ادل على ذلك علماء المسلمين الحجر الصلد لقيام هذة الحضارة الجامحة

  • رشيد

    الى ابن الجبل :
    هلا شرحتم باسهاب ما هى المدنية لعلنا نتبعكم

  • ابن الجبل

    الحراك المبارك يقول : أيها الناس ، اسمعوا وعوا ، أكثر من 50 أسبوعا ، ونحن ننادي بالدولة المدنية ، دولة المستقبل ،لا تقصي أحدا ... دولة المؤسسات التي لا تزول بزوال الرجال ... دولة اعادة بناء المجتمع على أسس سليمة ... دولة متطورة مزدهرة ،تنافس مثيلاتها في العالم ... لا مكان للضعفاء في عالم متغير نحو الأفضل ... هذا حلمنا ، وهذا شعارنا .. أفلا يحق لنا أن نحلم بدولة قوية ؟!.