ضحايا السيارات المسروقة… يدفعون الثمن عن جرائم لم يرتكبوها!
يفقدون وظائفهم وآخرون يزج بهم في السجون والبعض يتورّط ضمن عصابات سرقة السيارات وتزويرها رغما عنه… إنهم الأشخاص ضحايا شراء سيارات مسروقة دون علم بأمرها، حيث تُحجز سياراتهم من قبل المصالح الأمنية مهما غلا ثمنها، في انتظار الوصول إلى المذنب الحقيقي. فيما يُحال المشتري على القضاء مواجها تهمة استعمال المزور، وبعض الضحايا قضوا سنوات أمام القضاء في محاولة لتبرئة أنفسهم، واسترجاع وظائفهم التي طردوا منها. وفي ظل بقاء كثير من السيارات المسروقة مجهولة المصير.
- أصبحت أسواق بيع السيارات المستعملة وِجهة مفضلة لكثير من الجزائريين، في ظل الغلاء الفاحش للسيارات للجديدة، وإلغاء القروض البنكية الاستهلاكية، لكن كثيرا منهم يجهلون أن عصابات سرقة السيارات تتخذ من أسواق الحراش، تيجلابين وغيرهما مكانا مفضلا للتخلص من مسروقاتهم بأبخس الأثمان، فيشتريها مقتنصو الفرص معتقدين بأنهم ظفروا بصفقة العمر، وفي ظل ما يعتبرونه »ثقة متبادلة« بين البائع والشاري تُعقد الصفقة، وما يجهله المشتري أنه فتح على نفسه أبواب الجحيم. فأمام أول حاجز أمني وتحت مراقبة دقيقة للسيارة يكتشف رجال الأمن تزوير وثائقها، فيكون مصيرها الحجز، في حين يدخل المشتري في دوامة »السين وجيم« والتي لا تنتهي إلا بإلقاء القبض على كامل أفراد العصابة، فيما يجد الضحية نفسه محالا على المحاكم بتهم التزوير واستعمال المزور، على اعتبار أنه كان يقود سيارة مزورة، وتصل عقوباتهم إلى الخمس سنوات سجنا نافذا.
سيدة يُلقى عليها القبض لقيادتها سيارة مسروقة دون علمها
ضحايا شراء السيارات المسروقة كُثر بالجزائر، من بينهم مواطن يقطن بالدار البيضاء اتصل منذ فترة بالشروق، متسائلا عن مصير زوجته التي أوقفت في حاجز أمني بسبب قيادتها سيارة مسروقة اشتراها الزوج من سوق الحراش. وفي قضية أخرى اشترى مواطن من العاصمة سيارة مرسيدس بمبلغ يفوق 200 مليون سنتيم من سوق بيع السيارات بولاية سطيف، وعندما أراد تحويل ترقيمها من ولاية سطيف إلى العاصمة تفاجأ بموظفي الدائرة الإدارية للدار البيضاء يخبرونه بأن وثائقها مزورة، ومن هنا بدأت مشاكله حيث حُجزت السيارة من طرف المصالح الأمنية، مع فتح تحقيقات للبحث عن الفاعلين، والأمر استغرق زمنا دون الوصول للعصابة. ويقول المواطن إنه تسلم السيارة لعدم التوصل لصاحبها الحقيقي، ولكنها كانت في حالة يرثى لها، ما جعله يبيعها بربع ثمنها. ومواطنون آخرون أحيلوا على القضاء ولضعف مواقفهم تحصلوا على أحكام معظمها بالسجن غير النافذ، وهو الأمر الذي ترفضه المؤسسات التي يشتغلون بها، فتسرحهم من العمل إلى حين حصولهم على البراءة، منهم موظف بمديرية الضرائب بالعاصمة والذي خاض معركة على جبهتين، فالقضاء اتهمه بعد شرائه سيارة مسروقة، ومؤسسته طردته من العمل.
عصابات القتل تتخلص من سيارات الضحايا ببيعها في الأسواق
وتتعقد أوضاع المُشترين أكثر إذا كانت سياراتهم مسروقة من أشخاص مقتولين، وتورّطت فيها عصابات خطيرة، ومثال ذلك قضية مأساوية عالجتها محكمة جنايات العاصمة، أين أقدم 16 متهما على سرقة سيارات وشاحنات مواطنين بعد قتلهم ببشاعة ورمي جثثهم..
وقائع القضية انطلقت ببلاغ تلقته مصالح أمن براقي من مجهول يفيد بوجود أشخاص مشبوهين على متن سيارة »كليو« يحومون حول شاحنة متوقفة بحوش الميهوب ببراقي، لكنهم سرعان ما اختفوا، وفي اليوم الموالي أرسل الأمن الولائي نشرة بحث حول شاحنة مسروقة وُجد صاحبها ميتا، وعليه بدأت مصالح الأمن تحرياتها انطلاقا من سيارة »الكليو« المشبوهة، حيث اكتشفوا أنها ملك لشركة كراء سيارات بحسين داي، وقد استأجرها المتهم (س.م) لستة أيام، ليتم توقيفه على مستوى حاجز أمني وهو يحوز هاتف صاحب الشاحنة المقتول. المتهمون (س.م) و(ر.ك) و(غ.ا) اعترفوا باعتدائهم على صاحب شاحنة »سوناكوم«، حيث استدرجه أحدهم نحو حوش ميهوب بعد اتفاقه معه على نقل شُحنة من السّكر، وبوصولهم إلى مسكن مستأجر عرضوا عليه الدخول لشرب قهوة في انتظار عملية الشّحن، وهناك قتلوه بسكين واستولوا على شاحنته، التي باعوها وتقاسموا ثمنها. كما اعترفوا باعتدائهم على آخر بالطريقة نفسها بعدما تعرفوا عليه بسوق السيارات بتيجلابين متظاهرين بشراء سيارة، وبعد قتله رموا جثته بالطريق السريع بالرغاية وباعوا السيارة. اعترفوا أيضا باعتدائهم على موظف شرطة من سطيف وسرقوا سلاحه، أما سائق »كلونديستان« فرموه في حفرة معتقدين أنه فارق الحياة بعدما سرقوا سيارته، فيما بيعت سيارات وشاحنات المقتولين إلى مواطنين يجهلون حقيقتها، والذين وجدوا أنفسهم مُستدعين إلى محكمة الجنايات بعد حجز مركباتهم. وفي قضية مشابهة، استنكر حوالي 20 مواطنا من مختلف مناطق الوطن، عملية حجز سياراتهم وشاحناتهم وحافلاتهم والتي اشتروها بأموال باهظة، والسبب أن وثائقها مزورة وبيعت من طرف عصابة تزوير، حيث قال أحد المتضررين للشروق إن حافلته المحجوزة دفع فيها »دم قلبو« ليعيل عائلته.
مشترون يتجنبون إبلاغ مصالح الأمن خوفا من حجز سياراتهم
ومثل هذه المشاكل تجعل الكثير من المواطنين يتجنبون تبليغ مصالح الأمن عند اكتشاف شرائهم سيارات مسروقة، ومثال ذلك مواطن من الكاليتوس اشترى سيارة »بوجو 206« بمبلغ 70 مليون سنتيم من شخص سبق لهما التعامل في هذا المجال، ولكن عند محاولته تركيب مذياع أصلي للسيارة تفاجأ بوجود مشكل، فدقّّق في رقم السيارة التسلسلي، ليكتشف بأن الرقم الأصلي ممحو ومدون آخر فوقه، فتأكد من وجود تزوير، ولأنه تخوف من حجز السيارة التي دفع فيها كل ما يملكه امتنع عن تبليغ مصالح الأمن، وقرر استرجاع أمواله ولو بالقوة إذا ما شعر بتهرّب البائع، حيث فكر في اختطافه وإجباره بالقوة على إعادة أمواله، وهو لا يعلم بأن هذا التصرف سيكلفه عقوبة لا تقل عن خمس سنوات سجنا عن جناية اختطاف وحجز شخص دون علم السلطات الأمنية، حتى ولو كان المختطَف مجرما خطيرا، ولحسن حظ الضحية أن البائع وافق على استرداد السيارة وإعادة الأموال خوفا من تبليغ الأمن.
وما يُصعّب من تعرّف المواطنين على السيارات المسروقة، هو تواطؤ موظفي البلديات والدوائر الإدارية مع العصابات مقابل رشاوى، فبعدما يغير اللصوص لوحات الترقيم وهياكل السيارات يستعينون بالموظفين لتزوير شهادات الميلاد، بطاقات التعريف، البطاقات الرمادية ورخص السياقة، كما يسمح بعض الجمركيين بإدخال سيارات مسروقة من الخارج إلى أرض الوطن بالتواطؤ مع عصابات للمغتربين. وقد أخبرنا موظف بإحدى الدوائر الإدارية بالعاصمة أنه يستحيل على الشخص معرفة حقيقة السيارة قبل شرائها، لأن إجراءات التأكد من الوثائق وتسجيل السيارة للمالك الجديد تتم جميعها بعد عمليات الشراء والبيع، أي بعد »وقوع الفأس في الراس«، وهو ينصح المشترين بالتأكد من رقم السيارة التسلسلي.