ضرورة سيادة العربية وتفعيل الأمازيغية والتمكين للإنجليزية
يقول المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي “إنّ المشكلة ليست في اللغة الفرنسية بحد ذاتها، بل في كونها أداة ثقافية استعمارية، تجعل العقل الجزائري يفكّر وفق منطق لا يعكس هويته الحقيقية”.
لطالما شكلت اللغة حجر الزاوية في بناء الهويات الوطنية، فهي ليست مجرد أداة تواصل، بل تعكس روح الأمة وتاريخها وطموحاتها، ونحن في الجزائر، ورغم أن الدستور ينص بوضوح منذ عقود على أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، إلا أن الفرنسية التي يتحدثها فعليا نحو 2 مليون جزائري فقط بطلاقة وفق تقديرات جزائرية، و28 بالمائة من الجزائريين أي نحو 12 مليون جزائري (بطلاقة+ معرفة اللغة) وفق منظمة الفرانكوفونية.
وبالرغم من هذه المعطيات، لا تزال اللغة الفرنسية مهيمنة على الإدارة العمومية والتعليم العالي والقطاعات الاقتصادية، من دون أي سند دستوري أو قانوني أو تشريع رسمي يسمح بتحوُّل هيئات سيادية إلى متحدث بلغة أجنبية “استعمارية” غير عالمية بينما لغتها الرسمية هي العربية والأمازيغية، بنص الدستور والقانون.
ومن ثمة، تطرح هذه الوضعية اللغوية أسئلة جوهرية حول مستقبل السيادة اللغوية في الجزائر: كيف يمكن إعادة الاعتبار للعربية كلغة جامعة يتحدثها كل الشعب الجزائري وهي لغة دينية مقدسة أنزل بها القرآن الكريم الذي يتعبد به الجزائريون في حياتهم الدينية والايمانية؟ وكيف يمكن إدماج اللغة الوطنية الرسمية الثانية الأمازيغية بشكل يعزز اللحمة الوطنية ويشمل التنوّع اللغوي والثقافي الجزائري؟ وكيف نواكب أهمية اللغة الإنجليزية كبديل استراتيجي ولغة عالمية للإدارة والتعليم والعلاقات الاقتصادية؟
لا يمكن فهم استمرار هيمنة الفرنسية من دون العودة إلى الإرث الاستعماري، إذ فرضت فرنسا لغتها بالقوة وأقصت العربية من الإدارة والتعليم، وهو ماجعل عمل الإدارة وجزء من التعليم وخاصة التخصصات الأساسية إلى اليوم من طب وعلوم وتكنولوجيا تدرَّس بالفرنسية رغم تخلفها العلمي وسيطرة اللغة الإنجليزية على 82 بالمائة من الإنتاج والبحث العلمي والمصطلحات العلمية والتكنولوجية.
وبالرغم من مرور 63 سنة على استقلال الجزائر، بقيت الفرنسية لغة النخب السياسية والاقتصادية، ما جعل عملية التعريب تصطدم بعوائق بنيوية، خاصة أن بعض النخب السياسية والاقتصادية متمسكة بالفرنسية ظنا منهم أنها لغة رقيّ ونفوذ (بينما عندما يغادرون للخارج ولفرنسا نفسها يجدون أن اللغة الإنجليزية هي السيدة في المعاملات العالمية). ومع بقاء الإدارة الجزائرية تستعمل اللغة الفرنسية في أغلب معاملاتها، وهو ما يفرض على كل موظف إداري الحاجة لمعرفة هذا اللغة لإجراء مراسلات من خلالها أو فهم المراسلات الواردة إليها، وتحرير محرَّرات رسمية بها، فضلا عن المواطن الذي يضطر لاستلام بعض الوثائق بلغة أجنبية ينبغي عليه أن يعرفها.
وقد بدأت الجزائر منذ الاستقلال محاولات جادة لتعريب مؤسسات الدولة، لكن هذه الجهود بقيت متذبذبة بسبب غياب استراتيجية واضحة، رغم نجاح التعريب في التعليم الأساسي.
ولفهم العملية الثقافية، علينا التركيز على التوجهات الفرنسية نفسها لحماية الفرنسية والتمكين لها في المجتمع الفرنسي والعالم، إذ أصدرت فرنسا عام 1994 قانونا خاصّا ورسميا صدر في الجريدة الرسمية الفرنسية، تحت رقم 94-665 في 4 أوت 1994 يتعلق باستخدام اللغة الفرنسية ويُعرف باسم قانون توبون (Loi Toubon)، نسبة إلى وزير الثقافة جاك توبون، هو قانونٌ يهدف إلى حماية اللغة الفرنسية وتراثها، ويتركّز على ثلاثة أهداف رئيسية هي: إثراء اللغة، والالتزام باستخدام اللغة الفرنسية، والدفاع عن الفرنسية بصفتها اللغة الرسمية للجمهورية (المادة 2 من دستور عام 1958).
كما هدفَ القانون لضمان أسبقية استعمال المصطلحات الفرنسية التقليدية عوض مصطلحات “الأنجليسيسم–Anglicism” (أي من الألفاظ والمعاني الإنجليزية المنقولة إلى اللغات الأخرى)، لضمان سيادة الفرنسية في فرنسا، واستجابة لتزايد استخدام اللغة الإنجليزية في فرنسا، ولاسيما في الإعلانات التجارية، إذ يُلزم قانون توبون جميع الإعلانات والملصقات الترويجية أن تكون مكتوبة باللغة الفرنسية.
وتاريخيًّا، تدخلت الدولة الفرنسية في الواقع اللغوي عبر عدة قوانين، أهمها التي أصدرتها سنوات 1490، و1510، و1539م، وهذا الأخير هو الأشهر والمعروف بقانون فيلي كوتري، وسعت هذه القوانين إلى إبعاد اللاتينية والإسبانية والإيطالية من الساحة الفرنسية.
كما أبعدت لغات فرنسا ولهجاتها الأصلية التي تعدّ بالعشرات ومن بينها اللغة الباسكية والكاتالانية والبروطانية إلى جانب ما يعتبره اللغويون الفرنسيون لهجات فرنسا: كاللهجة الفلامانيكية المنتمية إلى اللغة الهولندية واللهجة الألزاسية المنتمية إلى اللغة الألمانية واللهجة الكورسيكية المنتمية إلى اللغة الإيطالية.
وبواسطة قانون توبون الصادر سنة 1994 قامت فرنسا بمنع استعمال اللغات الأجنبية خصوصًا الإنجليزية في المعاملات التجارية وإعلاناتها. ووصل هذا القانون قمّته عندما أراد الوزير توبون إزالة بعض الكلمات الإنجليزية المترسخة في القاموس اللغوي الفرنسي منذ قرون. كما يفرض القانون استخدام اللغة الفرنسية في المطبوعات الحكومية الرسمية، وفي جميع الإعلانات، وفي جميع أماكن العمل، وفي العقود التجارية، وفي جميع المدارس التي تمولها الحكومة.
وبالنسبة للخواص، يستثني القانون الاتصالات غير التجارية، مثل منشورات الويب غير التجارية. كما لا تشمل بعض أنواع الكتب والأفلام وغيرها من الاتصالات التي لا تدخل في فئة النشاط التجاري. ومع ذلك، ينص القانون على استخدام اللغة الفرنسية في جميع البرامج السمعية البصرية، مع وجود استثناءات فيما يخص المصنَّفات الموسيقية والأفلام في “نسختها الأصلية”. ويخضع البث الموسيقي لقواعد ذات صلة بهذا القانون تُلزمه بحد أدنى من الأغاني باللغة الفرنسية في الإذاعة والتلفزيون. وإلى جانب أي مصطلح أو جملة بلغة أجنبية، يجب أن تظهر ترجمتها الفرنسية.
ولم تكتف فرنسا بقوانين حمائية لحماية لغتها، بل أسست منظمة الفرانكوفونية سنة 1970، وتتكوّن من 80 بلدا وحكومة، منها 57 عضوا و23 مراقبا، لحمايتها ليس في فرنسا فقط بل في العالم.
وعليه فأمام هذا الفكر الحمائي والدفاعي عن اللغة الفرنسية في فرنسا والعالم، ينبغي لنا السعي إلى حماية لغاتنا الوطنية العربية والأمازيغية أمام تغول استعمال اللغة الفرنسية وتفشِّيها، فالمستشرق الفرنسي جاك بيرك أشار إلى دور اللغة العربية في مقاومة الاستعمار بقوله “إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب العربي في فرنسا”.
ولأن اللغة العربية لغة مقدسة ويحتاجها المسلم قبل العربي لفهم روح الإسلام وتوجيهاته، فإن الشيخ ابن تيمية أكد على أن اللغة العربية جزء من الدين، إذ قال “إن نفَس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب، وإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.
وأشاركذلك الإمام الشافعي إلى فضل اللغة العربية بقوله “اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، وينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأولى”.
وقال عنها المستشرق الفرنسي إرنسترينان “من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحَّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتِها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها”.
وقالت عنها المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه “كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم، وسحرها الفريد؟! جيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صَرْعَى سحر تلك اللغة”.
أما المستشرق الألماني كارل بروكلمان فقد قال “بلغت العربية بفضل القرآن من الاتّساع مدى لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأن العربية وحدها اللسانُ الذي أُحِلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم”.
ولهذا بعد 63 سنة من الاستقلال، وجب الحسم في المسألة اللغوية وجعل اللغة العربية كلغة دينية وعالمية ( الرابعة عالميا) في مكانها الطبيعي في الإدارة والجامعة والمؤسسات الرسمية والاقتصادية، بجانبها شقيقتها الأمازيغية التي ينبغي أن تنال دورها الثقافي الوطني الجامع، بعيدا عن ديماغوجية جميع الأطراف الذين خاطبهم عبد الحميد بن باديس، بمقولته الخالدة “إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلّف بينهم في العسر واليسر، وتوحِّدهم في السراء والضراء، حتى كوَّنت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الإسلام، وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم، فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرّقهم؟ لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع يا عجبا! لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي؟ كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم) والإسلام له حارس، والله عليه وكيل.”
بواسطة قانون توبون الصادر سنة 1994 قامت فرنسا بمنع استعمال اللغات الأجنبية خصوصًا الإنجليزية في المعاملات التجارية وإعلاناتها. ووصل هذا القانون قمّته عندما أراد الوزير توبون إزالة بعض الكلمات الإنجليزية المترسخة في القاموس اللغوي الفرنسي منذ قرون. كما يفرض القانون استخدام اللغة الفرنسية في المطبوعات الحكومية الرسمية، وفي جميع الإعلانات، وفي جميع أماكن العمل، وفي العقود التجارية، وفي جميع المدارس التي تمولها الحكومة.
كما أن استعمال الإنجليزية كلغة أجنبية أولى أصبح ضرورة حاسمة؛ إذ تعدّ اللغة الانجليزية الأداة الأهم للتواصل على وجه الأرض، فهي تُعرف بلغة شبكة المعلومات الدولية، لكونها اللغة الوحيدة التي تمنحنا القدرة على التواصل من خلال الاستماع والقراءة والكتابة مع أكبر عدد ممكن من الناس يبلغ تعدادهم أزيد من ملياري إنسان، بينما تُعد الكتب المكتوبة باللغة الإنجليزية الأكثر مبيعا في عالمنا المعاصر، فيما تستعمل أفضل الجامعات ومراكز البحث العلمي المشهودة اللغةَ الانجليزية لغةً أساسية في كل تعاملاتها، وهو ما يُعدُّ تحديا للدارسين أو الباحثين في امتلاك ناصية اللغة الانجليزية التي تُكتب بها سنويا أغلب الأبحاث والدراسات العلمية ولها نصيب 82 بالمائة من المصطلحات العلمية. والانجليزية أضحت منذ تسعينيات القرن الماضي بنسبة تزيد عن 95 بالمائة، لغة البحث العلمي في معظم مجالاته، ومع تطور الاتصالات والرقمنة أضحت الانجليزية اللغة الأساسية للاتصال العابر للقارات والرقمنة التي هيمنت عليها الدول الأنجلوسكسونية، في ظل العولمة التقنية والتحول التكنولوجي خاصة وأنّ الإحصائيات تحدّثت عام 2011 عن أنّ نصف المنشورات المتواجدة على الأنترنت منشورة بالإنجليزية.
قال عنها المستشرق الفرنسي إرنسترينان “من أغرب المُدْهِشات أن تنبتَ تلك اللغةُ القوميّةُ وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّةٍ من الرُحَّل، تلك اللغة التي فاقت أخواتِها بكثرةِ مفرداتها ودقّةِ معانيها وحسنِ نظامِ مبانيها”. وقالت عنها المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه “كيف يستطيع الإنسان أن يُقاوم جمال هذه اللغة ومنطقها السليم، وسحرها الفريد؟! جيران العرب أنفسهم في البلدان التي فتحوها سقطوا صَرْعَى سحر تلك اللغة”.
بالمقابل، تعدّ الانجليزية لغة الاقتصاد بامتياز؛ فستَّةٌ من أهم عشرة مراكز مالية عالمية تتحدث الانجليزية، في حين تكشف الدراسات أهمية تطوير مستوى إتقان اللغة الانجليزية لأجل توفير مناصب الشغل، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي، إذ أنّ الطبيعة المعولمة للاقتصاد العالمي التي فرضت الإنجليزية كلغة التواصل الأساسية في معظم المعاملات التجارية والمالية والبنكية بين البلدان تستلزم الإنجليزية كأداة مرنة وأساسية للتواصل.
الانجليزية أضحت منذ تسعينيات القرن الماضي بنسبة تزيد عن 95 بالمائة، لغة البحث العلمي في معظم مجالاته، ومع تطور الاتصالات والرقمنة أضحت الانجليزية اللغة الأساسية للاتصال العابر للقارات والرقمنة التي هيمنت عليها الدول الأنجلوسكسونية، في ظل العولمة التقنية والتحول التكنولوجي خاصة وأنّ الإحصائيات تحدّثت عام 2011 عن أنّ نصف المنشورات المتواجدة على الأنترنت منشورة بالإنجليزية.
كما أنّ أغلبَ البورصات ومراكز التجارة والشحن العالمي بل وجُلَّ الأقطاب الاقتصادية الناهضة اعتمدت اللغة الانجليزية لغةً أساسية في تعاملاتها باعتبارها لغة مفتاحية في التواصل الدولي، ونحن في الجزائر بحكم الواقع ملزمون بذلك.
إن السيادة اللغوية ليست مجرد شعار، بل هي ركيزة أساسية لتعزيز الاستقلال الثقافي والسياسي، إذ يتطلب الأمر إرادة سياسية قوية وإصلاحات بنيوية تجعل العربية لغة الإدارة والتعليم، بجنب الأمازيغية، والإنجليزية خيارًا استراتيجيًّا للانفتاح على العالم.