الرأي

ضريبةٌ على الفقر!

عمار يزلي
  • 4994
  • 4

ما يحصل معنا منذ أكثر من سنتين يمثل هذا التشبيه، خاصة مع ما ظهر للعيان (واللي ما عيانش) كيف حُذفت مادة فرض الضريبة على الثروة، وأبقيت الضرائب وزادت على الفقراء؟ تصوروا أخا أكبر يبيع مدخرات إخوته الصغار التي تركها لهم أبوهم وهم قُصَّر، ليستهلك جلها أو كلها بدعوى أنه “يخدم على إخوته”، ويكون بذلك الأخ الأكبر، قد أكل رزق إخوته قبل الوقت ولم يترك لهم إلا الهواء الطلق..

هكذا فعلنا لما رحنا نبيع نفطنا من خلال عقود طويلة الأمد بسعر مرجعي بسيط.. بعنا النفط وأخذنا المال في الحين وبقينا نبيعه مجَّانا لسنوات قادمة. مقابل هذا، أموالنا وسنداتنا السياسية بملايير الدولارات تنعش الاقتصاد الأمريكي والغربي، فضلا عن ملايير الدولارات التي هُرِّبت في شكل عملات إلى الخارج أو تلك التي بنى بها البعض هنا مشاريعه الاقتصادية، هدية من الدولة الوطنية الاشتراكية التي انتقلت إلى الرأسمالية، وإكرامية لمن دعموا الحملات الانتخابية بأموالهم وأنفسهم، فدعمتهم البنوك بما لا يطاق من أموال البقرة الحلوب أيام الرعي الوفير، صار أصحاب المال والشكارة هم من يستفيدون من ضرائب البسطاء دون أن يدفعوا ضربة دماغ واحدة، بل ويتهربون من كل أشكال الجباية ويرون في أنفسهم أصحاب حق الأخذ دون العطاء، فالبسطاء والعمال والأجراء والموظفون، هم من عليهم أن ينعشوا الاقتصاد والمعامل وبواخر “الاستوراد”، نحن ندفع رُبع خلصتنا الشهرية الخام للضرائب لكي تذهب إلى جيوب أرباب الأعمال والشكارة والسياسيين والبرلمانيين والإداريين والوزراء والمقالي!

نمتُ على هذا الغيظ من فيض، لأجد نفسي أنا جامع الضرائب (عامل عليها، آكل منها) في عز التقشف والأزمة المالية. بدأت بتعداد عدد الموظفين والعمال الذين يمكن اقتطاع الضرائب مباشرة من مرتباتهم فوجدت عددهم يزيد عن 10 ملايين. رفعت نسبة التحصيل الضريبي إلى الضعف ليصبح العامل والموظف تخصم من مرتبه 50 في المائة لأجل الضرائب: على حق العمل، على المرض، على التقاعد، على التنفُّس، على تلويث البيئة، على إثقال أرض الوطن، على خنق حركة المرور، على المشي والتجوال، على الصخب والصراخ وإزعاج السلطات! حق اللي راك عايش، حق اللي راك تهدر وما يديرولك والو! حق اللي عندك باسبور، حق اللي عندك بيرمي، وغير تزغد يقلعوه لك، حق اللي عندك بطاقة تعريف، حق اللي تاكل وتشرب وتروح للمرحاض.. أضف إلى ذلك، أخذ الجزية عن يدٍ ونحن صاغرون، صرنا نأخذ من المواطن الجزية، ليس لكونه غير مسلم، لأن الجزية لا تؤخذ إلا من غير المسلمين، لا.. إنما تؤخذ الجزية لكونك مسلما.. المسلم عليه أن يدفع الجزية لبيت المال! المهم أن حجم الضرائب زاد بعد هذا الإصلاح الضريبي إلى 90 في المائة، وبقيت فقط 10 في المائة من المرتب الصافي للمواطن لكي يبقى على قيد الحياة!

خرج المواطنون يشتكون في الشوارع بأن الخلصة ما تكفيش قبل أن يقرروا التوجه نحو التسوُّل والنشل، لأنهم لم يتعوَّدوا على العمل، فلقد عوَّدناهم على الكسل والاتكال.

رُقيت من منصب آمر الميزانية والخزينة إلى وزير أول مكلف بالاقتصاد وأنا أنوي “التشرشح” لما هو أحسن، لكي أكمل للناس ديونهم وأتمم عليهم نقمتي ولكي أرضى لهم الاستسلام دينا!

وأفيق وأنا أدندن تحت أنفي أغنية قديمة للمطربة سلوى: كيف رايي هملني.. درت غرضك فيّ وما زالني معك، وما تدوم الشدة لا بد من السلاك!

مقالات ذات صلة