طاقية الإخفاء للمفسدين بالأصالة والوكالة
حملات الأيادي البيض الموسمية التي توهم العوام بحماية المال العام من صغار المنحرفين من ذوي الياقات البيض، تبقى محض جعجعة حول الفساد ليس لها طحين، ومطاردة سفيهة للظل بدل ملاحقة وحش الفساد، وعفريت الغلول الذي تخصب نطفته داخل صناديق الاقتراع المغشوشة، وتحميه لاحقا طاقية إخفاء مواطن الاعتلاف والتستر بالقانون على أئمة الفساد وأمة المفسدين.
العدسة المكبرة للإعلام الوطني ظلت مسلطة طوال أيام الأسبوع المنصرم على هوامش ملف الفساد، في ما ظهر منه في ملفي مجمع الخليفة ومجرة سونتراك، وأنباء عن هروب وزير الطاقة السابق شكيب خليل بعد تصفية ممتلكاته، ليؤجل الحديث عن الفساد إلى حين استئناف الدورة الجنائية القادمة، الواعدة باستدعاء بعض كبار القوم من الوزراء والمسؤولين، لتفتح مرة أخرى شهية المواطنين إلى محاسبة حقيقية للفساد لم تحن بعد أشراطها ولا حتى أشراطها الصغرى.
.
جعجعة حول الفساد بلا طحين
الفئة المتفائلة منا تعتقد أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وأن تسليط سيف العدالة على صغار المفسدين من سدنة منظومة الفساد، هو مقدمة جيدة يمكن البناء عليها، وقد تشكل رادعا على الأقل لهذه الطائفة من صغار الموظفين التنفيذيين، تدفع بهم إلى التفكير ألف مرة قبل الامتثال لأوامر مخالفة للقانون تأتيهم من العلية، حتى لو كانت مشفوعة بوعود شفهية بالحماية، وبسهم من فيء الفساد، لأن التاريخ مليء بأمثلة تلاعب الكبار من المفسدين بصغار القوم من الخدم، عادة ما يقدمون ككباش فداء عند أول مساءلة.
وعلى الطرف الآخر يتوافق السواد الأعظم من المواطنين عند شعور مشترك باليأس والقنوط والإحباط وفقدان الثقة في قدرة البلد ومؤسساته على مواجهة الفاسد، سواء على مستوى المنبع بالتضييق عليه وتجفيف منابعه، أو عند المصب بتفعيل مؤسسات الرقابة والمحاسبة وجلب المفسدين إلى قاعات المحاكم أيا كان موقعهم في سلم السلطة ودرجات المسؤولية.
وبين الفريقين يقف فريق ثالث لم يشارك في الجلبة الإعلامية، بل هو مبعد عنها بالجملة، لأنه لا يريد أن يتوقف عند ما يراه الخاص والعام من جبل جليد الفساد، في ما فجره تناحر العلية على السلطة من ملفات فساد، ليست هي الأكبر ولا الأخطر حتى مع ضخامة أرقام حجم الفساد فيها، وقد لا يهتم كثيرا بتفاصيل المحاكمات السابقة واللاحقة حتى لو قدر للقضاء أن يسوق إلى قفص الاتهام عبد المومن ومن كان يقاول لصالحهم من كبار القوم، أو وزيرا بحجم وزير الطاقة، أو وزير المالية، أو محافظ البنك المركزي، لأن الفساد قد أصيح حالة مؤسساتية، بل مقاولة جماعية توزع فيها الأدوار، وتقسم أسهم عوائده وريعه وفق قاعدة: لكل حسب طاقته وموقعه من المظلة السلطوية الحامية لنشاط الفساد، وأنه لأجل ذلك لا طائل من ملاحقة من يقع من المفسدين، ما لم تهتد الدولة والمجتمع إلى سياسة راشدة طويلة النفس، تعالج آفة الفساد عند المنبع بترسانة من القوانين والإجراءات التي تحمي المسؤول من نفسه ومن الإغراءات، وتحاسب بصرامة عند المصب حين تفجر فضائح المفسدين.
.
المفسدون بطاقية إخفاء الفساد
في مقال سابق تحت عنوان “الهالك والمستهلك في زمن الفساد المؤيد بالقانون” بينت كيف كان بوسع السلطة والمعارضة والإعلام أن يساهم كل منهم في منع قيام صفقة سوناطراك مع الشركة الإيطالية، بمقارنة العرض الفاسد مع عروض مماثلة نفذت في بلدان تحرص مؤسسات الرقابة فيها على حماية المال العام، كما كان بوسعنا اكتشاف الفساد الذي طال معظم الصفقات المرتبطة بالطريق الصيار بمقارنة كلفة إنجاز الكيلومتر الواحد عند جيراننا في تونس والمغرب، مع ما عندهما من فساد، وبوسعنا أن نخضع معظم الصفقات العمومية إلى نفس المحاسبة قبل الترخيص بالتوقيع عليها.
ولأجل ذلك أجد في نفسي ميلا إلى تجاوز إدانة المفسدين، من ظهر منهم ومن يتمتع بطاقية الإخفاء، إلى إدانة المسؤول دستوريا وقانونيا وسياسيا على حماية المال العام وصيانته من الإفتراس والغلول، بل وأيضا حمايته من الإنفاق المبتذل في سياسات حمقاء، كانت توجب الحجر على أصحابها كما يحجر على رب المال من عوام الناس حين يتهم بالسفاهة.
“أجد في نفسي ميلا إلى تجاوز إدانة صغار المفسدين، من ظهر منهم ومن يتمتع بطاقية الإخفاء، إلى إدانة المسؤول دستوريا وقانونيا وسياسيا على حماية المال العام وصيانته من الافتراس والغلول”
في دولة القانون لست معنيا كمواطن بملاحقة الموظفين المؤتمنين على إدارة المال العام وإنفاقه، لأنهم ليسوا بالوكلاء الأصليين عن المال العام، وأكثرهم له صفة الوكيل بالدرجة الثانية والثالثة في سياق منظومة تفويض الصلاحيات والمسؤوليات في الدولة، وأن الجهة الوحيدة التي تمتلك تفويضا مباشرا من المواطن، المالك الأصيل للمال العام، هي الجهات المنتخبة على المستوى المركزي أو المحلي.
وإلى أن يسن دستور آخر، وتشرع قوانين عضوية أخرى، فإن المفوض الأول الأصيل لإدارة المال العام وحمايته هو رئيس الدولة، يشترك معه المنتخبون في البرلمان والمجالس المحلية، وأن “الحوكمة الراشدة” تقتضي أن يكون للمالك الأصلي للمال العام الحق في مساءلة الوكيل الأصلي، المفوض بموجب أحكام الدستور وقوانين تنظيم الدولة بإدارة المال العام وحمايته من الفساد والافتراس.
وحتى لو أثبتت التحقيقات الجنائية براءة وزراء القطاعات الحكومية الملاحقة اليوم بملفات الفساد، وبراءة رؤساء الدولة والحكومات المتعاقبة، ونواب الشعب ومنتخبيه، وثبت أنهم لم يكونوا مع المفترسين الفاسدين، فإن مسؤوليتهم الجنائية تبقى قائمة من أكثر من وجه.
.
عفاريت الفساد التي تصنعها صناديق الاقتراع
الوجه الأول: من حيث أن توليهم إدارة الشأن العام عبر التفويض الانتخابي يحملهم مسؤولية حماية المال العام وتحصينه بمتاريس قانونية وإجرائية، تمنع أيادي المفسدين من الوصول إليه ولنا في الفقه الإسلامي قاعدة عادلة تمنع إقامة الحدود على من يسرق من أطراف حقل لم يحصنه مالكه بجدار أو مانع ما، ولا يؤثم من ينتفع باللقطة، أو بالمال السائب، وهذا حال المال العام عندنا حتى يتجرأ عليه كل مفسد وينهبه بهذه السهولة، وتلكم مسؤولية المفوض الأصيل المنتخب، من أبسط عضو منتخب في مجلس شعبي بلدي إلى رئيس الدولة وأعضاء البرلمان من الموالاة والمعارضة بلا تمييز. ويكفينا منهم أن يسنوا من القوانين ما يعادل القوانين التي تحمي المال الخاص، وتحرض العدالة على المعتدين على المال العام كما هي مستنفرة لملاحقة من يعتدي على المال الخاص من عامة الناس، وأن نرى في أروقة وقاعات المحاكم الخاصة من كبار المنحرفين من ذوي الياقات البيض كما نرى من المنحرفين من سواد العامة، خاصة وأن ملفا واحدا من أصغر ملفات فساد العلية، يتجاوز مبلغ المال المسروق فيه إجمالي ما أثبتته المحاكم منذ الاستقلال من سرقات اقترفها العوام من المال الخاص والعام على السواء.
الوجه الثاني: من حيث أن توليتهم إدارة الشأن العام وحاجة إدارة الدولة إلى تفويض الصلاحيات إنما يحملهم مسؤولية مرؤوسيهم من جهة واجب حسن اختيار مرؤوسيهم، والتحري في ملفات المسؤولين، ومن جهة واجب حماية مرؤوسيهم من الإغراءات التي يفجرها المنصب، بتأطير نشاط المرؤوسين بترسانة من الإجراءات والقوانين التي تمنعهم من الاقتراب من الفعل المجرم، ثم بحمايتهم من تغول المسؤول الأعلى على المرؤوس بأوامر سلطوية تدفع به إلى الجريمة، أو بالتحريض الصريح على خرق القوانين.
الوجه الثالث: من حيث أن قصور الوكيل الأصيل تجاه واجب حماية المال العام من فساد المفسدين والمنحرفين من ذوي الياقات البيض، لا يترتب عنه فقط وجوب ملاحقته جنائيا كشريك في الفساد، بل يوجب فسخ عقد الوكالة الأصلي، وإبعاده عن إدارة الشأن العام في الحد الأدنى، ليس فقط باستبعاده عبر المسارات الانتخابية، بل بحرمانه من فرص التنافس مجددا على إدارة الشأن العام، من جهة أن قصوره في حماية المال العام وردع المفسدين من مرؤوسيه ينتج فسادا أعظم من فساد الغلول وسرقة المال العام، أقله ضررا أن تنشأ حالة من تقبل المجتمع للفساد كقضاء وقدر، وتنحرف الفرقة الناجية من الفاسد لتلتحق بأمة المفسدين عند توفر أول فرصة للإعتلاف من المال العام.
.
من لم يأثم بفساد يتقدم لرجم المفسدين
لا شك عندي أن المطلعين على سير الدول وسلوك النخب الحاكمة في الشرق والغرب، بالأمس واليوم وغدا، يعلمون علم اليقين أن الفساد هو السلوك المشترك بين جميع طلاب السلطة، بالمغالبة أو بالطرق الديمقراطية، وأن التفاوت بينهم إنما يكون في المنسوب، وأحيانا في مقدار ما عندهم من ثقافة ومن فنون التستر على فساد العلية، كما يكون في قدرة كل شعب على تحمل منسوب ما من الفساد، إما لأن المستوى المعيشي للطبقات الدنيا هو بالقدر الذي يصرفها عن الإلتفات إلى فساد المفسدين من العلية، أو لأن العلية الحاكمة تحرص من حين لآخر على التضحية ببعض وجهائها في محاكمات حقيقية، تخدع العامة وتصرفهم عن واجب البحث في مواطن الفساد، وفي السياسات المحرضة عليه، بل النظر تحديدا في ترسانة التشريعات التي تتولى ما يشبه عملية غسيل السلوك الفاسدة بشرعنة وتقنين سبل الفساد، والأخطر من ذلك أن تعتمد سياسات قائمة بذاتها تعمل على توريط أكبر عدد من المواطنين في الفساد.
الاحتجاجات التي يتصاعد منسوبها، وتتعاظم جلبتها كلما فتح ملف فساد يطال بعض الصغار من العلية ليست بريئة، ولا هي منصفة، أو منتجة لمسار يقود في النهاية إلى تخفيض منسوب الفاسد، فضلا عن أن تقود إلى اجتثاثه من مؤسسات الدولة، وهي في الغالب صيحات في فلاة يصدرها صياد سفيه اعتاد على مطاردة الظل بدل الفريسة، لأن المتهمين في ملف مجمع الخليفة أو سوناطراك ليسوا سوى ظلال باهتة لقطيع المفسدين، والذي لم يقترن في أي نظام حكم بطبيعة البشر أو بمقدار استحلاله للمال الحرام، أو كرهه التعدي على مال الغير، بقدر ما هو سلوك يحرض عليه التسيب وغياب الرقابة والحساب، الذي يتحول في دولة قانون الغاب إلى سياسة قائمة بذاتها لتعضيد نظام الحكم بإشاعة الفساد، ورشوة الفئات الخدومة للنظام بغرض منعها من التطاول على مشاركة صفوة الصفوة.
في مثل هذا المقام واجه المسيح عليه السلام قوما تجمهروا يريدون رجم زانية بالقول: “الذي لم يأثم منكم من قبل يكون أول الراجمين”، ليس لأنه أراد تبرئة المرأة مما نسب إليها، ولكن أراد أن يقول لهم: أنه ما كان لتلك المرأة أن تقع في الخطيئة لو لم تكن محاطة ببيئة تحرض على الخطيئة. ولولا الخشية من التأويل الخاطئ لقلت: من كان منا قد منح نفس فرص الفساد التي منحت للفاسدين، وغلقت عليه مثلهم الأبواب، وقيل له هيت لك، وقد هم بالغمس فاستعصم بعد أن رأى برهان ربه، وعفت يده فلم يفسد، فليتقدم ليكون أول من يرجم القوم الفاسدين..