الرأي

طعنات ومجاملات!؟

عدة فلاحي
  • 1330
  • 10

هل يمكن القول إن العبارة التي قالها الشيخ محمد عبده لا تزال تصدق اليوم، وهذا عندما عاد من زيارته إلى فرنسا وأنه وجد هناك “مسلمين من دون إسلام وفي أرض الإسلام وجد إسلاما من دون مسلمين”؟ يبدو أن الزمن حينها رغم مرارة الاستعمار لم يكن بتلك المؤامرة الخبيثة التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين اليوم وخاصة بعد الثورة التكنولوجية والإعلامية التي غزتنا حتى في عقر دارنا بل حتى داخل بيوت الله بالمساجد حيث رنات الهاتف المحمول الذي هو من اكتشاف الغرب بقدر ما خدمنا في حياتنا اليومية إلا أنه كذلك أضحى يشوش علينا في عباداتنا وصلواتنا. وهذا حدث ويحدث حتى ونحن نؤدي مناسك الحج في طوافنا حول الكعبة المشرفة، إذن لم يعد المستشرقون اليوم على ما كانوا في السابق هم وحدهم في المعركة ضدنا بل هناك طائفة أخرى من رجال الإعلام والصحافة أو ما يسمى بالمخبرين الجدد الذين ينسقون بذكاء ومكر مع أصحاب القرار السياسي الذين يريدون الهيمنة على أراضينا وثرواتنا ولكنهم في نفس الوقت يعملون على إهانتنا لكسر أنفسنا وإرادتنا أولا لتسهل عليهم المهمة.

العالم الغربي يدرك جيدا بأن مقدسات المسلمين، المتمثلة في ربهم الذي خلقهم وفي نبيهم محمد (ص) الذي بلغ الرسالة وفي كتابهم (القرآن) الذي هداهم إلى الصراط المستقيم، هي المدخل إلى كل ذلك وعليه هم يعملون على التدمير المعنوي والنفسي للإنسان المسلم الذي للأسف لم يستطع امتلاك أدوات الصراع الحضاري وبقي يتلقى الضربات على خده الأيمن بل وللأسف ذهب البعض منهم حتى إلى إدارة خده الأيسر للعالم الغربي في ذل وانكسار مقابل منافع دنيوية ضيقة وخاصة على حساب قيم ومبادئ أمة الإسلام.. وإلا كيف نفسر هذا السباق للتضامن مع فرنسا إثر أحداث شارلي إبدو ونتنازل عن حقوقنا التي تنتهك في فرنسا وفي غيرها من الدول الغربية باسم حرية التعبير والصورة من دون حدود ولا ضوابط في الوقت الذي تم فيه خلال الأيام الأخيرة ترحيل رعية أمريكي من كوريا الجنوبية لمجرد أنه ذكر كوريا الشمالية بخير!

إن الاستفزاز المتكرر الذي يمارس ضد معتقداتنا هو استخفاف بنا وحينما تصر صحيفة شارلي إبدو إلى تخصيص عدد من إصدارها لنشر كل الرسوم المسيئة إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ  رغم إدانتنا للقتل وارتكاب الجريمة ضد النفس البشرية يعطي الشرعية للإرهاب وللتطرف والغلو والتكفير الذي كان ضحيته الإسلام والمسلمون أكثر مما كان خسارة للغرب الذي يستثمر لصالحه ولمصلحته في ثقافة التدمير التي عششت في عقول بعض أبنائنا الذين تربوا على يد مراجع مغشوشة ومزيفة وعلى رأسها مراجع السلفية الوهابية التي لم تحسن سوى صناعة مخابر الدم بدل صناعة العقول التي تستطيع مواجهة تحديات العصر الحديث، ولمن ذاكرته قصيرة ألم يستفزنا من قبل كبيرهم بابا الفاتيكان بنديكت 16 في مقالته الشهيرة حينما وصف الإسلام بأنه ليس دين عقل وبأن النبي محمدا كان بعيدا عن العقلانية، أليس في هذا التوصيف المخل والمضلل شرعنة دينية للانتقاص والشتم الذي حرمته القوانين الدولية؟ هل يوجد أكبر تقبيح لمرجعية دينية أو فكرية أو للإنسان إلا حينما تسقط عنه فضيلة العقل والعقلانية؟

و السؤال الكبير الذي يطرح أمامنا اليوم وسيبقى يطرح في مستقبل الأيام: هل يبقى الحوار على طريقة عمرو خالد مع الدنمركيين الذين أساؤوا من قبل إلى الرسول برسومهم الكاريكاتورية هو الحل أم أن مذهب الشيخ يوسف القرضاوي الذي ذهب إلى أن الحوار مع السفهاء مثل هؤلاء الذين لا يحترمون الآخر والذين يتمادون في إلحاق الضرر بنا غير مجد وغير مفيد؟

أعتقد بأن التوصل إلى الحل المناسب للتعامل مع مثل هذه القضايا الشائكة والمعقدة والتي تلقى كل الدعم والمساندة من الصهيونية العالمية واليمين المسيحي المتطرف يتطلب مراجعة استراتيجية لثقافتنا الدينية التي أضحت اليوم تفرقنا أكثر مما توحدنا وما لم نتدارك أوضاعنا المأساوية ونعالجها في بيوتنا فلا يمكن أن ننتصر في بيوت الآخرين، وعلى الإعلام الإسلامي اليوم مسؤولية كبيرة في تقدم صفوف الجهاد المدني بالكلمة والصورة الهادفة إلى الدفاع وحماية هويتنا المهددة ولكن لا بد للقيادة السياسية في بلادنا كذلك من مواقف تنسجم مع هذا الجهاد المدني الذي يتطلب بداية إقامة دولة الحق والعدل والمساواة وهذا حتى لا يضطروا إلى مجاملة أعدائنا للحفاظ على كراسيهم.

مقالات ذات صلة