طفلي منغلق كتوم.. كيف أحميه؟
السلام عليكم.. أشكر لكم هذا الصرح المتكامل، والذي كان له دور كبير في إصلاح البيوت وتوجيه من بحاجة للمساعدة.
سيدتي أنا أم ابلغ من العمر 46 عاماً، جاء طفلي الصغير بدون ترتيب مسبق، وبعد فارق عمر كبير بينه وبين أخوته، وكأني أشعر إنني نسيت التربية وفقدت القدرة على التواصل معه.
ابني يبلغ من العمر 8 سنوات، كان إلى حد ما طبيعي قبيل مرحلة المدرسة، فهو لم يلتحق بالحضانة كإخوته، فأنا لا أعمل وفضلت أن يمكث معي في البيت هذه الفترة، لكنه الآن أصبح كتوم جداً، يلعب وحده ولا نكاد نشعر بوجوده في المنزل.
انتقالنا حديثاً لمدينة أخرى بسبب ظروف عمل زوجي، وهو انتقل لمدرسة جديدة، ومن وقتها انغلق ابني على نفسه تماماً، وبدأ يرى الكوابيس ليلاً، وعاد للتبول اللاإرادي، وكان يرفض تماماً الحديث معنا بخصوص مشاكله بالمدرسة، ومنذ فترة جاءت العديد من الشكاوى من المدرسة بأنه يضرب زملائه بالقسم، وعندما أتحدث معه يرفض تماماً، وطلبت مني المعلمة متابعة سلوكياته، حاولت التقرب إليه، لكنه يرفض التواصل معي، بل أصبح يعود من المدرسة ليفتح التلفاز في صمت على غير عادته حتى يذهب في النوم خلال دقائق، وبعد أيام بدأ الانقطاع التدريجي عن الطعام، ثم الانطواء خلال أيام العطلة، وكثرة البكاء بدون سبب، والنوم مبكراً.
وفي الحقيقة كان متفوقاً في دراسته، فأنا أدرس معه في البيت، وهذه الفترة أصبحت علاماته سيئة، وأصبحت أنا أيضاً عصبية في رد فعلي تجاه ذلك، وتوترت علاقتي به، فأصبح يكذب علي مثلاً ويقول بأنه لم يحصل على علاماته من المعلمة، وعندما أتواصل معها أعلم أنه حصل على علامات سيئة، في حين أن زملائه الأقل منه في القدرات والذكاء يحصلون على علامات أفضل.
لا أدري ما مشاكله بالضبط، ماذا أفعل؟ فأنا أريد أن أعرف عنه كل شيء حتى أحميه وأساعده.
فاتن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرد:
أهلاً وسهلاً بك يا فاتن على صفحات جواهر الشروق، والله أسأل أن ييسر لك أمرك كله، وأن يعينك على تربية أبنائك تربية صالحة ومتوازنة، وأن يجعلهم طريقكِ إلى الجنة.
من الواضح أن طفلك من النوع الكتوم، أو أن الظروف الجديدة هي التي تسببت في هذه المشكلة، وهي الانتقال المفاجئ لمدرسة جديدة، ومشكلات الطفل الكتوم والمنطوي في البيت أو المدرسة نستطيع التعامل معها نفسيا بشكل أفضل إذا ما دعمنا قدرات التواصل لدى الأطفال، واضعين في اعتبارنا أن الأطفال يفضلون أن يعبروا عن أنفسهم و مشاعرهم عن طريق اللعب أو الرسم أكثر من الكلام مباشرة مع الآخرين؛ فيجب أن تحاول الأم أن تعطي مساحة من وقتها للعب مع أطفالها، وستفاجئ بطفلها وهو مثلا يركل الكره بغضب كأنه يركل زميله الذي ضايقه، أو يتقمص شخصية مدرسته التي أحبها، أو يتمتم باستياء بكلمات الدرس الذي لم يفهمه، أو يرسم نفسه صغيرا في الحجم كتعبير عن قلة ثقته في نفسه وغيرها، لذلك يجب أن تشاركي طفلك في اللعب والرسم وأن تحسني الملاحظة، بل وأن تحاولي أن تستخرجي مشكلاته من هذه الرسومات، اطلبي منه أن يرسم القسم الدراسي، واطلبي منه أن يرسم مثلا المعلمة وهي تعاقب أسوأ طفل، واطلبي منه رسم المعلمة في صفحة منفردة، ومن خلال كل هذه الرسومات ستكتشفين ما بداخله بإذن الله.
ويجب أن تتذكري جيداً أخيتي أن رد فعلك تجاه ما يمكن أن يقوله طفلك هو ما قد يجعل طفلك يفضل الكتمان و الصمت بل وأحيانا الكذب؛ فلا يعقل مثلا أن تستجوبي طفلك بصيغة التهديد وتسأله: ” إياك أن تكون قد فعلت كذا، أو إياك أن تكون قد قلت كذا، ثم تنتظر أن يتحدث معك طفلك بكل أريحيه وصراحة، كما أن معظم المشاكل تحتاج إلى عنصر الوقت لحلها؛ فاجعلي الوقت معك لا عليك.
كما أن الأبناء يفسرون كثرة الأسئلة من آبائهم بأنها عدم ثقة في قدراتهم، وعندما نجد أن الطفل يصمت ويحاول إخفاء أحداث معينة فهذا يدل على رغبته في الشعور بالخصوصية، لكن أيضاً تجاهله التام يشعره بالوحدة، وبالتالي يجب تشجيع طفلك على الحوار حتى لو من خلال باقي أفراد الأسرة من خلال اختيار الوقت المناسب، فقد يقرر طفلك أن يتحدث في الوقت الذي تكوني فيه في قمة انشغالك، ووقتها يجب أن تتفرغي، ومن الجيد الحديث خلال فترة عطلة آخر الأسبوع، فالكثير من الأطفال أكثر انفتاًحا وقتها٬ حيث يكون كل شيء حاضًرا وواضًحا في أذهانهم، كما أن فترة ما قبل النوم يستطيع بعض الأطفال سرد الأحداث اليومية وتستطيع الأم وقتها أن تعرف كل ما يشغل باله.
كما تستطيع الأم فتح باب الحديث من خلال السؤال عن الأنشطة خلال اليوم، أو ما أضحك الأطفال، ومن كان لطيفاً معه من الزملاء، من المعلمين استفاد منه أكثر خلال اليوم، من زملاءه كان معه أشهى فطور، من زملائك تعتقد أنه سيصبح معلماً، هل يذكرك أحد من المعلمين بأحد أخر تعرفه؟ متى شعرت بالفخر بنفسك اليوم؟ ما الذي تتمنى أن تتعلمه قبل نهاية هذا العام في المدرسة؟ من أكثر شخص لا يشبه طباعك في القسم؟ وغيرها من الأسئلة التي تخرج بها مكنونات نفس الطفل، فما يحتاجه الابن بالرغم من عدم إدراكه لهذا هو لمس المشاعر٬ وهنا فهو سيشعر بالأمان وينفتح ويكمل الحديث، أو سيستاء وينغلق ويرفض الحديث.
كما أننا كثيرا ما تخطيء حين نوصل لطفلنا – و لو عن غير قصد – أن اهتمامنا بدراسته ودرجاته وشهاداته أهم من اهتمامنا به شخصيا؛ اهتمي بطفلك و نفسيته وكينونته ككل، ولتكن الدراسة مجرد جزء منه في النهاية، وإلا فانتظري احتمال أن يهمل طفلك دراسته عقابا لك على اهتمامك بدراسته أكثر منه!!
أخيتي ليس شرطا أن نعرف كل كبيرة و صغيره عن طفلنا، فالطفل من حقه بعض الخصوصية خاصة إذا ما أظهر قدرا معقولا من التعامل الجيد مع مشاكله، والمحافظة على هذه الخصوصية أمر مهم جدا خاصة إمام الآخرين، و المقارنات بين الأطفال عادة ما تكون امرأ مزعجا لمعظم الأطفال أكثر من كونها مفيدة، وأوصلي لطفلك رسائلك الايجابية التشجيعية إثناء اللعب معه وأثناء السير معا في الشارع، وقبيل النوم، وفي لحظة ضعفه أو إحراجه، افعلي ذلك دائماً وستجدين تحسناً بإذن الله.
وأخيراً أخيتي فإن زادت المشاكل النفسية لطفلك فيجب ألا تترددي في طلب المساعدة من الطبيب النفسي المختص أو الأخصائي النفسي في المدرسة لبحث الأمر، خاصة إذا ما تعثرت علاقاته أو تعثرت دراسته بشكل واضح في ظل وجود انطوائية شديدة أو صمت زائد أو ضعف واضح في القدرة على التواصل مع الآخرين، أو التعبير عن نفسه أو غيرها من أعراض قد تكون جزء من اضطراب نفسي يستوجب تدخلا علاجيا مناسباً.
تمنياتي لك بالسعادة وتابعيني بأخبارك
للتواصل معنا: