الرأي

طلبوا الآخرة.. فسادُوا الدّنيا

سلطان بركاني
  • 4292
  • 0

بين الفينة والأخرى، نعود إلى الحديث عن سير أولئك الأخيار الذين اصطفاهم الله لصحبة نبيّه المختار صلى الله عليه وسلّم. عن رهبان اللّيل وفرسان النّهار الذين وردت البشارة بهم في التوراة والإنجيل وتظافرت آيات القرآن بمدحهم وتزكيتهم والثّناء عليهم. عن رجال ذلك الجيل الفريد الذين ضحّوا بالغالي والنّفيس لإعلاء كلمة الله. عن رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وآزروا حبيبهم المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- في حياته وعزّروه ونصروه وجاهدوا معه حتى أخضعوا جزيرة العرب لدين الله الحقّ، وثبتوا بعد وفاته ثبات الجبال الراسيات وواجهوا المحن التي فتحت أبوابها على المسلمين وأدّبوا المعاندين والمرتدين، ثمّ انطلقوا في أرض الله فاتحين.

كانت وجهتهم الأولى بعد أن أدّبوا الجاحدين والمرتدّين نحو الإمبراطورية الفارسية التي كانت تطوّق جزيرة العرب، وتتبع إليها أراضي فارس (أي إيران) وأفغانستان وباكستان وتركمنستان والعراق وأجزاء من الشام.. فتح أسود الإسلام خلال عامين من خلافة الصدّيق -رضي الله عنه- أجزاء من العراق ودحروا الفرس المجوس وحلفاءهم في معركة ذات السلاسل وبلغوا الحيرة ثمّ الأنبار ثمّ عين التّمر ثمّ دومة الجندل، وهكذا، إلى أن جاء الأمر من الخليفة بالتوجّه إلى الشّام، فتوجّهت كتائب الإيمان إلى هناك لتحرير أرض الله المباركة من سطوة وجبروت الرّوم الذين كانوا يسيطرون على معظم الأراضي الشامية، على فلسطين وأجزاء كبيرة من سوريا والأردن، إضافة إلى سيطرتهم على شمال إفريقيا.. فتح جند الإسلام بصرى (تتبع حاليا إلى الأراضي السورية) وفتكوا بالروم في أجنادين (تتبع إلى الأراضي الفلسطينية) وبلغهم نبأ وفاة الصدّيق وهم في أرض الشام. الصدّيق الذي مرض فجأة في شهر جمادى الثانية من عام 13هـ، وثقل عليه المرض، فرغّب الصّحابة في اختيار خليفة له، فتشاوروا وجعل كلٌّ يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه؛ إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، فما كان منهم إلا أن رجعوا إلى أبي بكر فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، ثمّ جعل يدعو كبار الصّحابة ويشاورهم في استخلاف عمر بن الخطاب، فاستصوبوا الرأي جميعا إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدّة عمر، فطمأنه أبو بكر وقال: “ذلك لأنّ عمر يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا ممّا هو عليه”. وهكذا حصل الإجماع على استخلاف الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ودعا أبو بكر عمرَ وأوصاه خيرا بأمّة الإسلام وقال له: “اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا. وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في دار الدنيا وخفته عليهم، وحُقَّ لميزان يوضع فيه الباطل غدًا أن يكون خفيفًا. وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئها، فإذا ذكرتهم قلت: إني أخاف ألا ألحق بهم. وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوإ أعمالهم ورد عليهم أحسنها، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت ولست تعجزه”.

أراد الصدّيق –رضي الله عنه- أن يبرّئ ذمّته من مال المسلمين فقال: “انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي”، وقال لابنته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “أمَا إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش (خشن) طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بها إلى عمر وابرئي منهن”.. وفي آخر ساعاته من هذه الدّنيا، نظر إلى ثوب قديم وقال لابنته عائشة رضي الله عنا: “انظري ثوبي هذا فيه زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين لأكفّن فيها”. فقيل له: يا خليفة رسول الله. قد رزق الله وأحسن، نكفنك في ثوب جديد؟ فقال: “إنّ الحي أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه، من الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى”.. ثمّ أوصى –رضي الله عنه- أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان آخر ما تكلم به أنّه تلا قول الله تعالى: ((تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين)).. رضي الله عنه وأرضاه؛ يأبى إلا أن يكفّن في القديم من الثياب ليؤثر بالجديد الأحياء من المسلمين، فسلام ثمّ سلام على تلك الرّوح التي يتّهم الشّيعة المارقون صاحبها بأنّه كان يريد الدنيا! رجل كان قبل الإسلام من أثرياء قريش، ولمّا أسلم أنفق ماله في تحرير المستضعفين من المسلمين، وأنفق منه في نصرة صاحبه النبيّ الأمين، وحكم في السنتين الأخيرتين من حياته أمّة بلغت حدودها إلى أرض الشّام وأرض العراق وجاءته الغنائم وأتاه الخراج، لكنّه أبى إلا أن يعيش دنياه كواحد من ضعفاء المسلمين ويرحل عن الدّنيا خفيف الحمل.. سلام على تلك الرّوح في زماننا هذا الذي صار فيه أولياء أمور المسلمين يبنون القصور ويقتنون أفخر المراكب وينفقون أموال الأمّة على سفاسفهم وشهواتهم، ويكتنزون في أرصدتهم من الأموال ما يكفي لإغناء أمّة الإسلام من المحيط إلى الخليج. 

رحل الصدّيق -رضي الله عنه- عن دنيا النّاس، إلى جنّات عدن التي بشّره بها حبيبه وصاحبه المصطفى عليه الصّلاة والسّلام، واستخلف الفاروق عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- بعد مشورة أهل الحلّ والعقد من الصّحابة.. الفاروق عمر بن الخطّاب، غرّة في جبين أمّة الإسلام، ورجل كتبت سيرته على صفحات التاريخ الإسلاميّ بمداد العزّ والكبرياء والعدل والتواضع والإباء، توسّعت دولة الإسلام في عهده، وانطلق جند الإسلام ليواصلوا مسيرتهم ورسالتهم في إخراج العباد -بإذن خالقهم- من الظلمات إلى النّور، ومن العبودية للأصنام والأباطرة والملوك إلى العبودية لله الواحد الأحد.. لقد كان عهد الفاروق-رضي الله عنه- عهدا ذهبيا لأمّة النبيّ العدنان؛ كسرت خلاله شوكة الفرس المجوس ومرّغ أنف الرّوم في التّراب، وصارت أمّة الإسلام أقوى أمّة على ظهر الأرض.. رجل كانت فرائص الفرس والروم ترتعد لذكره اسمه، وهو الذي لم يكن له قصر ولا حرّاس، ولا كان يتميّز عن المسلمين بمركب ولا طعام ولا لباس، وكان يتّكئ في المسجد كما يفعل فقراء المسلمين، فيأتيه من يأتيه ليطلب حقّه أو يدلي برأيه، وتأتيه المراسلات من أقاليم دولته مترامية الأطراف، ويبعث البعوث ويرسل بالأوامر وهو جالس في المسجد بين النّاس.. امتدت حدود دولة الإسلام على عهده حتى جاوزت أفغانستان إلى حدود الصين شرقا، ووصلت إلى الأناضول وبحر قزوين شمالا، وإلى تونس من شمال إفريقيا غربا، وإلى بلاد النوبة (السودان) جنوبا.

يـــا مـــن يرى عــمـر تـكـسـوه بـردتـه * والـــزّيــت أدم له والــكــوخ مــــأواه

يـهـتـزّ كــسـرى عـلـى كـرسـيه فـرقـاً * من بــأسـه وملـوك الــروم تـخـشاه.

مقالات ذات صلة