طه خُشَيْن
قرأتُ ما دبّجه الأستاذ صالح سعودي في جريدة “الشروق” في يوم الاثنين 2/2/2026 عن أستاذي محمد الصالح آيت صديق الذي احتفل واحتفلنا معه في شهر ديسمبر الماضي ببلوغه القرن، وندعو الله –البرّ الكريم- أن يمتِّع عبده الصالح بسمعه وبصره ما أبقاه حيًّا، فهو “مدرسة” فريدة في الجد والنشاط واستغلال الوقت لأنه يعرف أنّ مما سيُسأل عنه يوم القيامة ما فعل في عمره، وبعلمه، فأعدّ لذلك السؤال الإلهي ما قدّمت يداه من جهادٍ بالسِّنان وجهاد باللسان.
ومما ذكره الأستاذ سعودي عن أستاذي محمد الصالح أنّه حضر رفقة الأستاذ عبد الرحمن شيبان –رحمه الله- في مدينة تونس محاضرةً للدكتور طه حسين، وقد استغرب أكثرُ الحاضرين أن طه حسين “لم يُشر في معرض حديثه إلى ثورة الجزائر التي كانت أهمَّ حديثٍ في تلك الفترة في العالم كلِّه، مكتفيا بالحديث عن ثورتي المغرب وتونس”!
لقد سبق لي أن قرأتُ عن هذه الزيارة “الحسينية” إلى تونس، وما أثارته من ردود أفعال سلبية عن موقف طه حسين من ثورة الجزائر الذي لا يشبهه إلا موقفُ ألبير كامو من هذه الثورة الإنسانية ضدّ البغي والطغيان. وإذا تفهّمنا موقف كامو الفرنسي لأنّ الثورة الجزائرية أسقطت ورقة التوت التي كانت فرنسا تغطّي بها سوءَتَها، فبم نفسِّر موقفَ طه حسين، والثورة ثورته باعتباره عربيا وعميدا للأدب العربي و”مسلما” ولو بالاسم والجغرافيا والثورة عربية وإسلامية وإنسانية؟!
وممّن تفاعل مع هذه الزيارة “الحسينية” إلى تونس كاتبٌ مغربيٌّ يُسمَّى محمد الصبّاغ، الذي كتب مقالا شديدا ضدّ طه حسين، أشبعه فيه لوما وتقريعا لإهماله الحديث عن ثورة ساندها حتى بعض كبار الفرنسيين كفيلسوفهم جان بول سارتر، وصاحبته سيمون دو بوفوار.. وكان عنوان مقال الكاتب الصبّاغ هو “صهْ أيها العميد”، وهو موجودٌ في كتابٍ للأستاذ الصباغ عنوانه: “شلال الأسود”، ونشرته “دار البعث” التونسية لصاحبها أبي القاسم كرّو.
قد يُعذَر طه حسين إذ لم يرَ الحالة المُفزعة التي كان عليها الجزائريون الذين ألجأتهم الحربُ إلى تونس لأنه محرومٌ من نعمة البصر، فقد ابتلاه ربُّه بفقدان حبيبتيه، ولكن ما هو عذرُ طه حسين في عدم سماع أصوات الرصاص والقنابل، وصيحات اليتامى والأيامى والأرامل والثكالى والشيوخ العُجّز، التي أسمعت من به صممُ؟
لقد فسّر بعضُ المهتمّين موقف طه حسين بأنّه كان واقعا تحت تأثيرين: تأثير ثقافته الفرنسية، وتأثير صاحبته الفرنسية، وشعبُنا يقول في مثله السائر: “الوسادة تغلب الولادة”.
وقد امتدّ هذا الموقفُ من طه حسين إلى سبعينيات القرن العشرين، إذ ذكر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، وزيرُ التربية، أنّه زار الدكتور طه حسين، ومن جملة ما تناولاه في حديثهما جرائمُ فرنسا في الجزائر، وعندما سرد الدكتور طالب على مسامع عميد الأدب العربي شهادات مرتكبي هذه الجرائم أنفسهم، كان ردُّه: “هذا غير ممكن”.
(ce n est pas possible) (مذكّرات جزائري: أحمد طالب الإبراهيمي. ج2. ص103).
أمّا كلمة “خُشَيْن” الواردة في العنوان فهي لبعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الذين كانوا من أنصار الكاتب مصطفى صادق الرافعي، الخصم الألدّ لطه حسين. رحم اللهُ موتى المسلمين وغفر لهم.