-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
منجم الفحم بالقنادسة ببشار

طوّر فرنسا اقتصادياً وتسبّب في إصابة عشرات العمال الجزائريين بالسيليكوز

الشروق أونلاين
  • 8770
  • 11
طوّر فرنسا اقتصادياً وتسبّب في إصابة عشرات العمال الجزائريين بالسيليكوز
ح.م

لم تكن المدينة التي طالما وُصفت بالهادئة والتي يفوح منها عطر التاريخ والثقافة بهذا الشكل قبل سنة 1970، فخلال 1908 التي تُعدُّ سنة قلبت تاريخ هذه البلدة التي تبعد عن عاصمة الولاية بشار بـ 18 كم تقريبا ـ فكان لعثور أحد أهالي القنادسة آنذاك على تراب أسود لامع جاهلا أنه يسمى بالفحم أو “الكوك” كما يعرف محليا.

ولم يكن من هذا المكتشف الأول لهذه المادة إلا أن يسارع إلى شيخ الزاوية آنذاك، حيث أثار إعجابه هو الآخر الشيء الذي دفعه إلى استدعاء حاكم بلهادي الذي كان يدعى (CAEVANE) الذي اهتم ومعه حفنة من هذا التراب فأثار انتباه الشيخ الذي قام بدوره بإرسال، عينة منه إلى حاكمه بـ”العين الصفراء” ومنها تم إيصالها إلى الجزائر العاصمة ثم إلى فرنسا حيث تم إجراء التحاليل عليها من طرف أكبر مخبري بأوربا في ذلك الوقت ويدعى “فلاموند” الذي أثبت بعد تحاليل جيولوجية ميدانية بأن القنادسة حوضٌ منجمي ينتمي إلى الكاربونيفيل وأسال لعاب فرنسا الاستعمارية التي وجهت اهتمامها وأطماعها إلى هذا الحوض المنجمي الهائل بالتركيز على التنقيب حيث استخرجت أول كمية من الفحم الحجري رسميا سنة 1917م لتستغله فيما بعد في إنتاج الطاقة عن طريق نقل المادة الأولية عبر القاطرات إلى الجنوب الوهراني ومن ثم إلى أوربا عبر السفن وتشير التقارير التاريخية إلى أنه عند استخراج أول كمية من الفحم من منجم القنادسة نقلت إلى تلمسان فإسبانيا ثم إيطاليا على متن السفن. 

دخول منجم الفحم الحجري بالقنادسة حيز النشاط من طرف فرنسا حول تلك البلدة الهادئة بصوفيتها وزواياها وقصورها إلى بلدة لا تنام بفعل العمل المتواصل الذي فجر ثورة صناعية كانت مؤهلاتها نائمة لقرون لكن من المستفيد من المتضرر من كل ذلك؟

سعت فرنسا منذ أن انتهت من مرحلة التنقيب إلى توجيه أنظارها إلى سواعد أبناء القنادسة والمدن المجاورة لتستغلهم في العمل تحت الأنفاق لمدة 8 ساعات كاملة وبأجور زهيدة، كما يروي هؤلاء الذي حولت مناجم الفحم أجسادهم إلى بؤر للأمراض القاتلة بفعل إصابتهم بداء السيليكوز الذي قضى على معظم الذين عملوا في مناجم الفحم بالقنادسة ومن تبقى على قيد الحياة لا زال يصارع هذا المرض الذي نخر صدورهم رغم أنهم يؤكدون أن فرنسا آنذاك عرضتهم على أطباء ألمان وأكدوا إصابتهم بهذا الداء وأن علاجه من المستحيلات لكن رغم ذلك لم تتوان فرنسا في التضحية بهم لصالح اقتصادها الذي عرف انتعاشا انعكس على أوربا كلها ما جعل قدماء المناجم يدركون اليوم أن على فرنسا تعويضهم عما لحق بهم من أمراض وإعاقات لأن وضعهم لا يقل خطورة عن ضحايا التجارب القنبلة الذرية برقان والإشعاعات الكيماوية بواد الناموس وحتى ضحايا الألغام التي ما تزال تفتك بسكان المدن الحدودية.

 ولعل ما بقى من ذكريات التاريخ الاقتصادي للقنادسة يختزله المركز البلدي للتراث الذي يتوسط القنادسة والذي لازال يحتضن على رفوفه ما تبقى من عتاد ووسائل استخدمها الفرنسيون بمنجم الفحم وصور العمال الجزائريين وأجسادهم تعانق طبقات “الشربون” كما يجري على السنة المواطنين ببشار ومنها آلة فوتوغرافية تعود لسنة 1912،  مصابيح غازية كانت تستعمل لإضاءة الأنفاق وحبال منجمية، وسائل اتصالات، أدوات خاصة بقياسات البناء، وبقايا قطع حربية مستعملة ضد الثورة. زيادة على حافظة ميزان يدوي، أحجار معدنية تعود لما قبل التاريخ، وصور لأروقة منجمية يبلغ طولها أحيانا ألف متر، وكذا صور قديمة لعمليات استخراج الفحم الحجري.

 وبهذا كانت القنادسة التي تقع بالجهة الغربية لعاصمة الولاية بشار تكون أول مدينة عبر الوطن أضيء بها مصباح منذ اكتشاف الفحم بها من طرف المستعمِر الفرنسي، فاستخراج الفحم الحجري جعل القنادسة العاصمة الاقتصادية بامتياز وكانت الشركات التي عملت بالنشاط الاستخراجي للفحم هي régie de chargement والتي تحوّلت فيما بعد إلى شركات كبيرة سميت لاحقا بـhouilléré du sud oranais . وأصبحت القنادسة تستقبل آلاف العمال الباحثين عن مناصب صورهم بالمتحف البلدي لا تزال تنطق عنهم.

 واستنادا إلى بعض الوثائق والكتابات التي دونها صحفيون أجانب عن تاريخ المنجم آنذاك وتحتفظ بها الخزانة القندوسية فإنه في 1946 بلغ عدد سكان الدائرة 14000 نسمة منهم 1500 معمّر أوروبي من جنسيات مختلفة. 

كانت المدينة تصدر الفحم بكميات كبيرة نحو أوروبا بواسطة السكة الحديدية مرورا بالمغرب، إلا انه ومع مطلع الثورة التحريرية، عرف إنتاج الفحم تدهورا كبيرا بسبب هجرة الكثير من العمال. في الفترة الممتدة ما بين 1959 – 1960  حيث تم تقليص استخراج الفحم فقط للمركز الكهربائي ببشار الجديد، حيث كانت أول منطقة على المستوى الإفريقي في استغلال الطاقة الكهربائية. في العام 1975 تقلَّص عدد العمال من 3000 إلى 300 عامل، بعد إحالة عدد منهم على التقاعد، ليتوقف استخراج الفحم نهائيا بعد سنة 1975 .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
11
  • حفيظ

    قطرات الفحم الحجري لعلاج مرض الصدفية المزمن

  • حفيظ

    ثورة تنام عليها الجزائر يمكن صنع قطران الفحم الحجري لعلاج مرض الصدفية المزمن

  • الطيب

    من نظر منا الى تلك الاثار الموجودة بالقنادسة...لتذكر دروس الجغرافيا
    الت كنا ندرسها عن هذا المنجم ..الكبير....

  • ساري

    very good

  • ساري

    عادي يا اخي الكريم هذه الصورة حتى هي تمثل المنجم لكنها موجودة بحي الانارة بمدينة بشار و الفحم كان ايضا في هذا الحي و ليس بالقنادسة المهم الموضوع انا ابن القنادسة لكن اعرف ان هذه الصورة موجودة في
    حي السنطرا الانارة و ليست من دولة اخرى حتى لا نشكك فيها ,

  • ساري

    عنك الصح بصح حتى واحد ما دايها فيهم مساكين ربي معاهم

  • ساري

    موضوع مليك هكذا نريدكم ياشروق ثقافة و تراث الجزائر اولا و ليس ما تنشرون من اخبار توجع الراس

  • oran

    ونحن أين هي دولتنا للعمل على هذا المنجم لتوفير لقمت العيش الحلال لأبناها أحيطكم علما التقنيات الحديثة لا تضر بالبيئة و الإنسان

  • Moha

    ça reste à analyser........and no comment.

  • بدون اسم

    هدا الفحم هلك الابناء والاباء والاجداد واثر عاى البيئة

  • من الجنوب الغربي

    شكرا على الموضوع و الالتفاتة الطيّبة
    ولكنّ الصورة لا تعكس المنجم أبدا،ومحيطه ليست به خضرة
    لو اتصلتم بي لوفرت لكم صورا كثيرة للمنجم حتى و الثلوج تحيطُ به ذاتَ شتاء...
    المنجم بُنيانه مقامٌ على هيكل حديدي كبير ضخم لونه أسود مبني بالآجر الأحمر الذي تآكل فلم يعد يظهر منه إلا الهيكل الحديدي الضخم،وبعض الأحرف الفرنسية..