ظاهرة الانتحار تستفحل بين المسنين
لم تعد ظاهرة الانتحار، التي يتم تسجيل أزيد من ألف حالة سنويا منها، حسب التقرير الأخير للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، حكرا على فئة الشباب بل امتدت لتشمل هذه المرة فئة المسنين، الذين ارتأوا بعد سنوات عمرهم الطويلة أن يضعوا حدا لحياتهم في مشهد مأساوي. “الشروق” فضلت تسليط الضوء على هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في المجتمع.
هم شيوخ تقدموا في العمر، تجاوزوا الستين عاما. وبعضهم في بداية التسعين. فضلوا إنهاء مشوار حياتهم إما شنقا بحبال مشدودة في غرفة بيتهم أو باحتساء مواد قاتلة. وهناك من أراد أن تكون خاتمته بحبل بلاستيكي.. هي سيناريوهات مأساوية لعمليات انتحار بشعة كان يقدم عليها في الماضي القريب فئة الشباب ليتخطى اليأس هذه الفئة وتمتد آلية الانتحار لتشمل فئة كانت تعرف بالعقلاء والحكماء باستعمال وسائل مختلفة، حيث أقدم شيخ يبلغ من العمر 90 سنة، من مدينة معسكر، على الانتحار بتناول جرعة من حمض “الأسيد” ليفارق على إثرها الحياة .
كما اهتز مؤخرا سكان قرية ولاد يحيى، جنوب البويرة، على وقع حادثة أليمة بعد العثور على جثة الشيخ “خ. س”، الذي يبلغ من العمر 76 سنة، معلقة بواسطة حبل بمسكنه العائلي بالقرية، حيث تم اكتشافها من طرف أحد أفراد العائلة أثناء دخوله في الصباح الباكر لتفقد المكان، ليتم تحويل جثة الضحية وتبقى أسباب الوفاة مجهولة في ظل عدم ورود أبناء عن معاناته من أي اضطرابات عقلية أو مشاكل عائلية .
وكان شيخ في الثمانينات من العمر، قد أقدم على الانتحار شنقا داخل منزله العائلي الكائن بولاية عنابة، مستعملا العمامة أو الشاش الذي كان يضعه على رأسه فقد عثر عليه أحد أفراد العائلة جثة هامدة معلقا في إحدى زوايا البيت بعد أن لف عمامته حول عنقه.
فيما قام شيخ بقرية في ولاية الشلف، على الانتحار شنقا باستعمال حبل مشدود إلى غصن شجرة، حيث وجد جثته أحد المواطنين الذي بلغ مصالح الأمن.
وتواصلت سيناريوهات انتحار المسنين البشعة بعد أن اختار “ب. ك”، 87 سنة، من ولاية تيزي وزو، وضع حد لحياته بشنق نفسه باستعمال حبل بلاستيكي داخل منزله العائلي.
حنطابلي: غياب التكفل الاجتماعي يشجع المتقاعدين على الانتحار
اعتبر المختص في علم الاجتماع، الأستاذ يوسف حنطابلي، الانتحار فعلا واحدا تتعدد معانيه وأسبابه. وهو وسيلة يصل من خلالها الإنسان إلى مستوى ينفي الجسد الذي يراه عبءا عليه فيضع حدا له. وأرجع المختص الظاهرة إلى كون الشيخ الطاعن في السن يصبح متقاعدا فيفقد بذلك هويته الاجتماعية وحضوره العائلي، فبعض المسنين يفتقدون اللمة لكون أبنائهم تزوجوا وكونوا عائلات خاصة بهم وكذلك الإنسان الذي كان لديه حضور في مؤسسة وظيفية وكان لديه أهمية اجتماعية ثم أحيل على التقاعد يفقد هذه الهوية فنفسيته وشعوره مرتبطان بالبعد المهني والاجتماعي والأسري فيعاني من الفراغ.
واستطرد المتحدث أن هناك بعض الأمراض النفسية التي تصيب المسنين بعد التقاعد لأن التكفل الاجتماعي يقل مما قد يدفعهم إلى الانتحار، حتى إن بعض المؤسسات مثل دور العجزة تكفلها النفسي يزيد حالتهم تعقيدا فالأفضل أن يظل المسن في حالته الطبيعية ولا يكون هناك توقف عن العمل فالتقاعد فرصة لتغيير النشاط.
سليمة موهوب: تغير النمط المعيشي للأسرة وراء انتحار المسنين
كشفت المختصة في علم النفس، الأستاذة سليمة موهوب، أن المنتحر عادة يعاني من اكتئاب إلى درجة اليأس من الحياة ويسعى إلى التخلص منها. فهذا الاكتئاب المصاحب للشعور بالذنب إذا لم يتوفر فيه هذا الأخير لا يحاول الانتحار. فالاكتئاب يزيد حدة المشاكل النفسية بالإضافة إلى تقدم السن الذي كان من المفروض أن يمنحه خبرة في الحياة غير أن تغير النمط المعيشي للأسرة التي كانت في السابق تعتمد على التواصل والدعم واستعمال العبارات المنمقة، زيادة على امتدادها إلى 4 أسر في بيت واحد مما يشعر الفرد بالأمان فعندما يكبر في هذه الأجواء يستحيل عليه تقبل فكرة أن يكون وحيدا، فالانتحار عند المسنين- ترى الأخصائية النفسانية أنه- يتلخص في شعوره بأنه أدى واجبه تجاه أبنائه لكنهم تخلوا عنه فيجرحوه بنكران كل ما قدمه، ثم الظروف خصوصا عند الطبقات الفقيرة التي يكون فيها الأب المسن مسؤولا عن أطفال تقل أعمارهم عن العشرين عاما فلا يستطيع تأمين احتياجاتهم اليومية، ويبقى البناء الأولي للشخصية أهمها إذا كانت مفككة منذ الصغر فالتنشئة تلعب دورا مهما في ذلك.