ظلمات فوقها… “ظلمات”
لا أحد بإمكانه حرمان مواطن بسيط من اكتساب مكيّف هوائي، ولا أحد بإمكانه أن يحرمه من سهرة عائلية أو وليمة مضيئة جدا يستقبل فيها أحبّته ويسهر معهم إلى الفجر في هذا الصيف الملتهب.. ولا أحد بإمكانه إقناعه، وإقناع التجار الذين تتركز مهنتهم على التبريد الكهربائي بالتبريرات المقدمة من شركة الكهرباء التي أجبرتهم للموسم الثالث على التوالي على متابعة المسلسل الطويل للانقطاعات المتكررة واليومية للتيار الكهربائي،
-
لأن المواطن يتعامل مع هذه المؤسسة الوطنية بالاستهلاك والدفع دون نقاش أرقام الفواتير، ولا حتى ارتفاع أسعار الاستهلاك التي تعوّد عليها. كما أنه لا يناقش معاقبته وحرمانه من التزوّد بالكهرباء في حالة عدم تمكنه من دفع الفاتورة ضمن معادلة تجارية واضحة هي الاستهلاك والدفع.. ولكن الخلل في هذه العملية التجارية يكمن في أن المؤسسة التجارية عكس كل الأعراف التجارية تطلب من زبونها أن لا يشتري بضاعتها، وأكثر من ذلك تطالبه عبر الإشهار بأن يقلل من تعاطي منتوجها وتسعى لأن يهجر بضاعتها حتى ولو عاد إلى زمن القناديل والشمعدان.
-
-
مؤسسة الكهرباء عوّدت المواطن على عمل تجاري راق، فهي المؤسسة الوحيدة التي لا تتسامح مع المتخاذل والمتهرّب من الدفع، وإذا كان لمؤسسات السكن والمياه والضرائب الملايير من الديون لدى زبائنها الفقراء أو المتخاذلين أو الهاربين أو المتلاعبين بأموال الدولة، فإن مؤسسة الكهرباء لا ديون لها إلا مع المؤسسات الوطنية، كما أنها مؤسسة لا تعترف “بالاجتماعي” وأسعارها متساوية ولا يهمها منطقة الاستهلاك والوضعية الاجتماعية والدخل الشهري للزبون، وهو ما جعلها مؤسسة “تجارية” راقية في نظر المواطن الذي يقتني منها النور، كما يقتني خبزه اليومي، ولكن بنظرة مختلفة في السنوات الأخيرة مع ظهور الأنترنت والإعلام الرقمي، إضافة إلى ضروريات كانت في الزمن السابق من الكماليات مثل المكيّفات الهوائية والإعلام الآلي.. ثم أن الجزائر مطالبة في زمن البحبوحة المالية بالإقلاع الاقتصادي الذي لا يمكن أن يتحقق في الظلام ومطالبة بأن تتحول إلى بلد سياحي مثل كل دول البحر الأبيض المتوسط الشمالية والجنوبية ولا يمكنها مغازلة السياح بلياليها المظلمة ولو لبضع دقائق، فالسائح ليس مجبرا لسماع هذه التبريرات وغير معني إطلاقا بنصائح ترشيد استهلاك الطاقة، خاصة في الجزائر المرشحة لتكون عاصمة العالم في الطاقة الجديدة.
-
-
جيراننا الذين يتزوّدون من نورنا لا تغيب عنهم شمس كهربائنا طوال الصيف وهم يستقبلون الملايين من السياح الأوربيين والأمريكيين الذين لا يتسامحون مع من يمس برفاهية الأضواء، بينما نصرّ نحن على رمي المواطن بالتبذير ونحوّل حياته إلى ظلمات فوقها ظلمات.