عائد من غزة
كان السفر إلى غزة قبل الثورة المصرية ضربا من المغامرة، إن سلكت إليها طريق البحر عليك أن تستعد للمواجهة مع الصهاينة، وأن تعد نفسك لاحتمال القتل أو السجن. وإن قصدتها برّا عليك أن تتسلح بالصبر العظيم عند ملاقاة المصريين الرسميين، وأن تَخبر فنون المواجهة مع كذبهم وظلمهم واحتيالهم. ولئن بقي ركوب البحر إلى غزة مستحيلا اليوم فإن دروب البر تحسّن حالُها، ولم تعد أبوابُها محكمة الإغلاق كما كانت عليه. حينما مُنع أسطول الحرية الثاني من الانطلاق من موانئ اليونان في جويلية الماضي بعد رفض الأتراك تكرار تجربة »مرمرة« وبعد أن تواطأت دول العالم العربي والغربي على رفض خروج سفن كسر الحصار من كل موانئ الدنيا، تمّ نقل المساعدات والنشطاء برا مع قافلة »أميال من الابتسامات« إحدى المنظمات العاملة مع اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة.
- أجمع المشاركون في رحلة »أميال من الابتسامات 7« بأنها كانت رحلة مميزة لا يمحو ذكراها الزمن. لقد كانت رحلة مليئة بالبهجة والفرح والسرور، مرت أيامها العشرة ولياليها كالبرق الوميض، لم يذكر فيها المشاركون من مختلف الجنسيات أهلهم وذويهم رغم أن الأيام أيام عيد. من الطبيعي أن يفرح الناس بالعيد وأن ينسوا مآسيهم ويؤجلوا أحزانهم، ولكن أجواء الفرح في غزة كانت فريدة ومميزة، مليئة بمشاعر الحب والمرحمة، والعزة والكرامة، والحماسة المتقدة للبذل والعطاء، والأمل العريض بمستقبل زاهر لفلسطين والأمة جمعاء. لقد دخلت قافلة الابتسامات غزة بعد صفقة تحرير الأسرى في أيام عيد الأضحى وفي أجواء المصالحة الفلسطينية، فكانت أفراحا فوقها أفراح فوقها أفراح.
لم نر شيئا في غزة يعتز به أهلُها كاعتزازهم بمقاومتهم وصمودهم وبكتائبهم القسّامية. لقد ضُرب الحصار عليهم لكسر إرادتهم ولقلبهم على قيادتهم فجاءت صفقة الأسرى فرسخت خيار المقاومة وعمّقت ارتباط الناس بها. لقد رأينا أبطالا غُيّبوا في السجون وحُكم عليهم بمؤبدّات عديدة لدفن حلمِهم وحلم أهليهم بالخروج ذات يوم، فإذا بهم يعودون إلى ديارهم معززين مكرمين بفعل المقاومة وتضحيات رجالها. حينما صاحبنا القائد هنيّة للمعايدة على الأسرى المحررين وعلى أُسرهم رأينا في هؤلاء الأبطال إصرارا على الاستمرار في الطريق التي من أجلها دخلوا السجون حتى تحرير كل الأسرى الباقين، وتحرير الأرض والمقدسات. ومن غرائب ما رأينا أن من بين المحررين شبابا كثرا قيل لنا بأنهم قضوا العشر والعشرين سنة في السجن، وعندما سألنا: كيف ذاك؟ قيل: لقد أُخِذوا إلى السجن وهم أطفال صغار.. فقلنا لبعضنا البعض: كيف لشعب أطفاله يكافحون كما رجالهم يحاربون، ونساؤهم يقاومن كما شيوخهم يجاهدون أن يُغلَبوا أو يقهروا؟ وحينما صاحبنا عددا من القيادات الدعوية والسياسية لحركة حماس إلى مواقع الرباط، في دجى الليل، لتكريم وتشجيع المجاهدين، وجدنا أنفسنا مرة أخرى قبالة شباب، دون العشرين وفوق العشرين بقليل، هم في حقيقة الحال من شجعنا وأكرمنا بقدّهم السوي وتواضعهم العلي وبالنور المشع من وجوههم في ذاك الليل العتيم.
ذات الشعور بالعزة والصمود والاستعداد للتضحية الذي رأيناه عند الأسرى المحررين وأسرهم، وعند القساميين في رباطهم، رأيناه لدى أسر الشهداء عند زيارتهم مع رئيس الوزراء هنيّة. من بيت الشيخ أحمد ياسين إلى بيت الرنتيسي، فالمقادمة، فصيام، فنِزار، فغيرهم… كلما دخلت بيتا من هذه البيوت الشامخة تشعر بأن المقاومة ذهبت بعيدا في نفوس أهل هذه الأرض المجاهدة، وأنها مستقرة فيهم حتى التحرير بحول الله. بل حتى أولئك الأطفال الجرحى والمعطوبون، الذين قُصفوا في معركة الفرقان الأخيرة، يشعرونك بأنك أمام جيل تؤلمه الإصابات، ولا شك، ولكنها لا تنزع منه العزيمة على الانتقام من العدو المحتل. لا تقدر على ردِّ دموعك حينما يقف أمامك أطفال عائلة السمّوني بعاهاتهم الأبدية، وحينما يحكون لك بأنفسهم كيف جُمعت عائلاتهم في مكان واحد ثم قصفوا جميعا بلا شفقة! ولكنك مع ذلك تكاد تحلق في السماء طربا حين تسمع منهم عبارات الصبر والثناء على الله والثبات على الأرض والاستعداد للتضحيات تلو التضحيات.
لم تقعد هذه التضحيات هذا الشعبَ العظيم، ولم تركنه إلى الأسفل عضّات الحصار الآثمة. حينما أُغلقت عليه منافذُ سطح الأرض كلها ليجوع فيتسوّل ويتوسّل عدوَّه، دفعته كرامته ليحفر تحت الأرض، فأبدع وسيلة هي معجزة بكل المقاييس، هزم بها حصاره وخيّب ظن عدوه، بل أصبح بها أكثر قوة ومنعة. لم يحك التاريخ صنعة دُوِّنت في سجِّله كصنعة الأنفاق التي أبدعها الفلسطينيون. لم نكن نظن أن الأنفاق التي ذاع صيتها بذلك الإبداع والإتقان والتنظيم. إن قصدت الأنفاق الخدمية ترى عجبا وإن قصدت الأنفاق العسكرية تصعقك المعجزة. أما الأنفاق الخدمية فهي بادية للناس، قد يُسعفك الحظ لولوجها إن شئت، وإذا سمح لك القائم عليها بذلك، فترى عالما من السلع لا يتوقف عن الحراك، كل شيء يدخل من مصر عبر الأنفاق. فمن الأنفاق ما هو تابع للقطاع العام؛ تسهر عليه الحكومة؛ ومنها ما هو تابع للقطاع الخاص؛ يسيره أصحابه وفق النظام، ومن الأنفاق ما هو متخصص في الوقود، ومنها ما هو متخصص في الإسمنت والحديد، ومنها ما هو متخصص في المواد الغذائية، ومنها ما هو متخصص لنقل الأشخاص، وغير ذلك من الاختصاصات… وأما الأنفاق العسكرية فهي ممنوعة على الجميع، ولا يراها الناس، ولكن من رآها يحكي عنها الأعاجيب! لم يتقوف القسّاميون عن تشييدها منذ نهاية حرب الفرقان، يشتغل فيها فريق بعد فريق على مدار الساعة بلا توقف، بطرق علمية فائقة في الإبداع، حتى تحولت إلى متاهة متشابكة ممتدة إلى جميع باطن غزة، مجهزة بكل ما يساعد على الصمود، وبما يحقق النصر على الصهاينة في أي مواجهة قادمة بحول الله. يحكي بعض من رآها بأنها إنجاز يتجاوز القدرة البشرية، وأن هؤلاء الذين يبنونها تصاحبهم في بنيانهم الملائكة. ويحكي القسّاميون بأن مجرد وصول أخبار هذا الإنجاز لجيش الاحتلال كوّن قوّة ردع جعلته ينظر إلى عمق غزة كمصيدة لجنوده في أي اقتحام جديد تحدثه بها نفسه.
لقد أخذ الحصار في التلاشي بهذا الصمود والإبداع فعلا. لم يصبح الحديث اليوم عن دعم أهل غزة من أجل كسر الحصار فحسب، بل المطلوب اليوم مع ذلك هو دعم استمرار الصمود وتشجيع الإبداع لتحقيق التنمية وصناعة النموذج. لقد رأينا في غزة معاهد وكليات ومستشفيات ومستثمرات فلاحية ومؤسسات خدمية ومراكز دراسات ومنظمات مدنية، لم نر في جمالها وتنظيمها وحسن إدارتها مثلها في العديد من البلاد العربية. لا يزعم أحد بأن هذه المنجزات الإبداعية تفي بحاجات الفلسطينيين المتصاعدة، فهي قليلة العدد ولا تقوم إلا على المساعدات الخارجية التي إن توقفت توقف كل شيء، ولكنها بكل تأكيد تؤشر على رشد الإنسان الفلسطيني المقاوم ونزاهته. لقد رأينا بأعيننا بأن المساعدات التي وصلت غزة وُضعت في أياد أمينة حوّلتها عقول راشدة إلى إنجازات خارقة ومؤسسات منتجة تبشر بأن هذه القطعة الغالية من فلسطين المباركة في طور صناعة نموذج صالح سيُعمّم على كل بلاد الرباط حين تتحد أجزاؤها وتُحرر أرضُها.
إن المجتمع الفلسطيني المقاوم أهل لكل دعم، فقضيته قضية عادلة، وروح الكفاح والجهاد في شعبه هي الغالبة، والإنسان في هذا الشعب عفيف في عمومه، كريم ذكي شهم قد صقلته المقاومة، وهو مع ذلك متواضع معتدل المزاج بعيد عن التطرف والتعنت. رغم انتشار الفقر والبطالة وفشو مظاهر الحرمان والحاجة لا تكاد تجد أحدا يتسوّل في الطريق. وإن طلب أحد منك دعما فإنما يطلبه لمشروع يستفيد منه العديد من الناس. وأحسن ما في هذا الشعب شبابه الذي لقيناه، يأمل في الحياة، ويكافح من أجل البقاء، ويطمح للمعالي، لم يكسره العوز ولم تذله البطالة، يتحدث إليك الأطفال وكأنهم رجال، ويحدثك الشباب وكأنهم قادة حتى يجعلوك تأنس بهم وتقنع بأهليتهم فتقرر العيش لدعمهم حتى كسر الحصار كله وتحرير الأرض والمسجد الأقصى… وهم على ذلك قادرون بحول الله العلي العظيم.