عائشة العايب… حارسة حرفة السلالة في جبال الونشريس
تبرز الحرفية عائشة العايب بولاية تيسمسيلت كأحد النماذج النسوية الناجحة التي استطاعت الحفاظ على حرفة السلالة التقليدية وتثمينها، لتصبح تجربتها مثالا للمرأة الريفية التي أسهمت في صون التراث المحلي ونقله للأجيال، وذلك تزامنا مع إحياء اليوم العالمي للمرأة المصادف للثامن مارس من كل سنة.
وأكدت عائشة العايب في تصريح لـ”الشروق” أن علاقتها بحرفة السلالة تعود إلى سنوات الطفولة، حيث تعلمت أسرارها عن والديها، لتواصل تطويرها عبر السنوات وتحولها إلى وسيلة للتعبير عن الهوية الثقافية لمنطقة الونشريس، مشيرة إلى أن المنتجات التي تنجزها تعكس رموزا وألوانا مستوحاة من طبيعة المنطقة وثقافتها، وهي تعبير عن خصوصية المرأة التيسمسيلتية في الماضي.
وأوضحت الحرفية أنها تعتمد في صناعة السلالة على مواد طبيعية مستمدة من البيئة المحلية، على غرار الدوم والحلفاء والبردي، وهي نباتات تشكل المادة الأساسية لهذه الحرفة التقليدية. وأضافت أن بلدية الملعب التابعة لدائرة لرجام تشتهر بأجود أنواع الدوم المعروف بالنخل القزم، حيث كان الرجل قديما يتكفل بجلب المواد الأولية وتجفيفها، بينما تتولى المرأة عملية النسج والتشكيل.
وتتميز منتجات عائشة العايب ببصمة فنية خاصة، إذ تؤكد أن شكل المنتج وألوانه يمثلان بطاقة تعريف للمنطقة التي صنع فيها، فقبعة الدوم مثلا تختلف في تصميمها بحسب الغرض من استعمالها، سواء في النشاط الفلاحي أم في الفروسية أم خلال المناسبات والاحتفالات التقليدية، ما يعكس ارتباط هذه الحرفة بنمط الحياة السائد في المنطقة.
ولا تقتصر حرفة السلالة على صناعة القفف فحسب، بل تشمل أيضا عددا من الأدوات التقليدية التي كانت حاضرة بقوة في المطبخ الجزائري، مثل الطبق والقنينة (الكسكاس) والحصير والغربال، وهي أدوات مصنوعة من مواد طبيعية وصديقة للبيئة، ما يمنحها اليوم أهمية متزايدة في ظل الاهتمام المتنامي بالمنتجات الطبيعية.
وبفضل إبداعها وتمسكها بالتراث، شاركت عائشة العايب في العديد من التظاهرات الثقافية والمعارض الوطنية والدولية، حيث مثلت الجزائر في عدة مناسبات للتعريف بحرفة السلالة والتراث المادي الذي تزخر به المنطقة، مؤكدة أن مثل هذه التظاهرات تعد فضاء مهما للتعريف بالمنتجات التقليدية وتسويقها، رغم أن التسويق لا يزال يشكل أحد أبرز التحديات التي يواجهها الحرفيون.
وفي سياق الحفاظ على هذا الإرث الثقافي، أشارت المتحدثة إلى أنها تعمل منذ سنة 2013، بالتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف بولاية تيسمسيلت، على نقل خبرتها إلى الأجيال الصاعدة من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدة الشباب من الجنسين، وهو ما لقي إقبالا معتبرا من الراغبين في تعلم هذه الحرفة.
وترى الحرفية أن الحرف التقليدية أصبحت اليوم خيارا مهنيا مهما يمكن أن يوفر فرص عمل للشباب ويسهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، داعية في هذا الإطار الشباب، خاصة الذين لم يسعفهم المسار الدراسي، إلى التوجه نحو مراكز التكوين والتعليم المهنيين لاكتساب حرفة تمكنهم من الاندماج في عالم الشغل.
وتطمح عائشة العايب مستقبلا إلى فتح ورشة خاصة بصناعة السلالة تكون فضاء لتكوين الشباب وتوفير مناصب شغل، إلى جانب المساهمة في تثمين هذا الإرث الثقافي العريق والحفاظ عليه من الاندثار.
وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، أكدت عائشة العايب أن المرأة الريفية الجزائرية قادرة على تحقيق النجاح والإبداع متى توفرت لها الفرص، مشددة على أن دورها في الحفاظ على التراث وتنمية المجتمع يظل ركنا أساسيا في مسار التنمية وصون الهوية الثقافية.