عار على أمة تترك حماية قبلتها الأولى للنساء
أبدت زينة عمرو مسؤولة النّساء المرابطات في المسجد الأقصى أسفها وحزنها العميق إزاء ما يحدث للمسجد الأقصى وعبرت عن استغرابها من أن تترك الدول الإسلامية ثلة من النساء لوحدهن في مواجهة الاحتلال المدجج بكل أنواع العدة والعتاد، معبرة في ذات السياق عن شعورها بالألم والحزن لتخلي الأمة الإسلامية عن مسؤولياتها تجاه أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، إلا أنها لم تخف تفاؤلها بقدرتهن في إسماع العالم بشتى الانتهاكات التي ما يفتأ يقوم بها الكيان الصهيوني تجاه المسجد الأقصى.
قالت زينة عمرو “أنا أشعر بأنني أحمل مسؤولية كبيرة، أعيش حياتي اليوم من أجل حماية المسجد الأقصى، هو أولويتي في الحياة ومن بعده تأتي العائلة“.
وكونها أكثر معرفة ودراية بما يجري في المسجد الأقصى، وتشير إلى أنها كانت مسؤولة عن مشاريع التوعية داخله، من خلال تنظيم حلقات علمية، وتعريف الوفود الزائرة بقضايا عدة، منها المخاطر المحيطة به، وأهميته بالنسبة للمسلمين.
ومن خلال هذا العمل، بدأت تتبلور فكرة إقامة سلاسل بشرية من طرف عمرو ونساء أخريات، وأخذن على عاتقهن مهمة الدفاع عن القدس ومواجهة المستوطنين الذين يقتحمون باحاته بغرض الاستفزاز أو الصلاة في أعيادهم.
واعتبرت شعور الاحتلال الإسرائيلي بخطورة وجود رموز داخل ساحات المسجد الأقصى، وخصوصاً أن وجودهن فعال إلى حد كبير، بدأ يستهدف كل مَن يعمل في هذا الإطار. وكانت البداية بإبعاد بعض الطالبات والمدرسات عن الباحات ومنعهن من الدخول إليها، وكانت هي من ضمنهن.
وقالت لـ“الشروق“، إن “أول عملية اعتقال ومحاولة إبعاد لها كانت عام 2013. في ذلك الوقت، كانت مجموعة من المستوطنين تجوب باحات المسجد الأقصى.
بدأت والنساء المرابطات، بالتصدي لهم والتكبير لمنعهم من الدخول. فلم يكن من جنود الاحتلال إلا أن احتجزوا هويات النساء، من بينهن ضيفة “الشروق“، التي رفض الجنود إعادتها إليها إلا بعد حضورها إلى المركز حيث تم احتجازها لمدة أسبوع.
وقالت إنه تم توجيه إليّ اتهامات عدة، منها أنني أعيق صلاة المستوطنين داخل الباحات، وأعرّض حياتهم للخطر“.
وتضيف: “طلب مني التوقيع على قرار إبعادي لمدة خمسة عشر يوماً، لكنني رفضت بعدها تم تحويلي إلى المحكمة حيث كانت الإجراءات بحقي تعسّفية“. وتعرّضت للضرب والتنكيل خلال عمليات إغلاق المسجد الأقصى، ما أدى إلى إصابتها.
وحسب عمرو فإن الاحتلال مارس ضغوطاً كبيرة على عائلات المرابطات، وكان يحتجز أفرادها لساعات عدة ويحقق معهم. كما وجه إليهن اتهامات كثيرة، من بينها قيادة تنظيم داخل المسجد الأقصى، والتحريض، وتعريض حياة الناس للخطر، وقد هددت مرات عدة بالإبعاد إلى خارج القدس.
وأضافت أنه بالرغم من كل ما نتعرض له من ضغوطات ومحاولات إبعاد واستهداف، تُصرّ الناشطات الفلسطينيات على مواصلة النضال والكفاح للدفاع عن المسجد الأقصى، ومواجهة كافة الاعتداءات الإسرائيلية.
القدس قضية العرب وليس قضية الفلسطنيين وحدهم
قالت المرابطة في الأقصى إنها تشعر بمرارة وألم كبير نتيجة تخلي حكام العرب عن الأقصى وحتى الشعوب العربية أصبحت لا تولي أي اهتمام للقضية الفلسطينية عكس الحروب الداخلية والفتن الطائفية التي أصبحت تنشر وتذاع في وسائل الإعلام العربية.
وأضافت المتحدثة أن “رغم الصعوبات والإهانات التي نتلقاها كل يوم على يد الصهاينة إلا أننا نقوم بإسماع صوت حرائر القدس إلى العالم ومحاربة المخطط الصهيوني الذي يريد السيطرة على القدس من أجل تحويل جزء منه إلى كنيس“.
وعادت المتحدثة إلى بداية احتلال فلسطين من قبل العدو الصهيوني وقالت “إن أول من مكن اليهود من فلسطين هم حكام العرب بالتعاون مع الاستعمار البريطاني“، وناشدت عمرو الحكام العرب حتى يولوا اهتمامهم إلى القضية الفلسطينية معتبرة أن الأراضي المقدسة وقف لجميع الشعوب العربية وليست وقفا خاصا بالفلسطينيين وحدهم، وأكدت زينة على أن القضية الفلسطينية توجد في قلب كل عربي إلا أن هذا لا يكفي بل نريده أن يرتقي إلى المستوى الرسمي.
أحبطنا مخططا لتهويد الأقصى وتحويله لمنتجع سياحي
قالت زينة عمرو إن الحلقات التي نظمتها المرابطات كانت نتاج سياسة التهويد التي خططت لها السلطات الصهيونية بعدما أرادت تحويل الأقصى إلى منتجع سياحي، في ظل الأعداد الكبيرة للسياح الذين يتوافدون يوميا عليه، مستغلين شغوره من المصلين لاقتحامه من طرف اليهود.
وقالت ضيفة “الشروق” إن توالي الاقتحامات على المسجد الأقصى وسعي سلطات الاحتلال تحويل الأقصى عن مغزاه إلى منتجع سياحي بدأت تتبادر في أذهانهن فكرة برمجة حلقات لفائدة كل شرائح المجتمع ضمت برامج ترفيهية ومسابقات للأطفال وحلقات للعلم وغيرها والهدف من كل هذا لمّ شمل كل أفراد المجتمع، وضمان تواجد الآلاف من المواطنين بشكل يومي على مستواه.
هذه المبادرة أجبرت سلطات الاحتلال –حسب محدثتنا– إلى تغيير عديد المخططات سواء ما تعلق بمواعيد اقتحام الأقصى وكذا إنشاء كنيس على حساب مصليات المسلمين، فقالت النساء المرابطات “في كل مرة يعتزم فيه جنود الاحتلال الدخول إلى المصليات بالتجمهر به وتشكيل سلاسل بشرية ما بين باب المغاربة إلى غاية باب السلسلة بهدف منعهم من الاستمرار وإجبارهم على اختصار اقتحاماتهم، كما لا يتوقف الأمر عند ذلك، حيث يصل إلى درجة مهاجمة الجنود لإطلاق سراح الرجال والنساء الذين يعتقلون من طرف قوات الأمن انتقاما لتجمعهم ووقوفهم ضد المخطط.
سلطات الاحتلال أخضعتنا لشتى أنواع الضغوط
قالت ضيفة الشروق إن الحلقات التي كن ينظمنها كانت بدعم من الحركة الإسلامية، حيث انطلقت في بادئ الأمر من طرف 35 شخصا بين رجل وامرأة ليرتفع العدد إلى الآلاف من المرابطين والمرابطات الذين جعلوا غايتهم الأسمى الدفاع عن المسجد الأقصى.
وقالت ممثلة المرابطين التي نزلت ضيفا على منتدى “الشروق” إن سلطات الاحتلال الصهيوني باشرت إجراءات ردعية ضد كافة التنظيمات الداعمة لحلقات حماية الأقصى التي تنظمها المرابطات، بعدما أحست بخطورة الوضع وخروج الأمر عن سيطرتها، من خلال القيام بحملة اقتحامات إلى كافة الجمعيات ومقرات الحركات ومصادرة جميع المؤسسات الراعية لها، ناهيك عن قيامها بحملات واسعة للقضاء على كل تنظيم من شأنه أن يرعى هذه المبادرة، إلى جانب المضايقات التي يتعرضون لها بعد اتهام أفرادها بمختلف التهم وتوقيفهم عن أداء مهامهم.
واستعرضت المتحدثة بداية تجربتها مع المرابطات لحماية المسجد الأقصى من مختلف حملات التدنيس، وهي المبادرة التي انطلقت من 35 شخصا تحت رعاية الحركة الإسلامية بقيادة الرائد صلاح الذي أطلق حملة البيادق لتشهد تطورا ملحوظا مع مرور الوقت، حيث وصل عدد الأفراد المدافعين عن المسجد الأقصى بشكل يومي إلى 1100 مرابط ومرابطة يتوافدون بشكل يومي لحماية المسجد من الاقتحامات التي تخطط لها سلطات الاحتلال، ما حال دون الوصول إلى المصليات، وفي كل مرة نمنع اليهود من الوصول إلى باب السلسلة.
من هن المرابطات في الأقصى؟
مع تصاعد حدة المخاطر التي تحيط بالمسجد الأقصى المبارك منذ سنوات عديدة، من محاولة تهويد مستمرة وطمس للمعالم الإسلامية فيه، إلى اقتحامه بشكل شبه يومي، لجأ أهالي مدينة القدس والداخل المحتل إلى إقامة مشروع مصاطب العلم، حيث أصبح المسجد الأقصى قبلةً للحجيج من عدد من مدن الداخل المحتل.
ورغم أن مكانة الأقصى الكبيرة في قلوب الفلسطينيات كانت الملهم الأول لفكرة الرباط، إلا أنها تعززت عقب افتتاح مصاطب العلم التي استقطبت الكثير من النساء والرجال لتلقي دروس العلم وتعلم وحفظ القرآن داخل باحات المسجد المبارك.
فمن مدن أم الفحم والناصرة وحيفا وعكا والمثلث ويافا، تحجّ المرابطات للأقصى بقطع مئات الكيلومترات، متحديات جميع حواجز الاحتلال ومحاولات عزله للمدينة المقدسة.
وتؤمن المرابطات بأن الرباط في المسجد الأقصى جزءٌ من دور المرأة الفلسطينية في الجهاد ضد الاحتلال، حيث أنهن يتركن أعمالهن وأولادهن وأزواجهن لفداء الأقصى والوقوف سدًا منيعًا أمام تدنيسه أو التفرد به.
كما تعبّر ظاهرة المرابطات عن حالة الوعي التي يعيشها المجتمع الفلسطيني لما يخطط الاحتلال لفعله بالمسجد الأقصى ومدينة القدس المحتلة.
اعتقلت وعذبت وكسرت يدي وفمي ولكن لن أتراجع
قالت الناشطة الفلسطينية زينة عمرو، إن المرابطات في المسجد الأقصى تتعرضن لأبشع أنواع التعذيب والتنكيل بسبب إصرارهن على المكوث في باجات المسجد الأقصى، وأضافت الناشطة “أن النساء المرابطات في المسجد الأقصى تتعرضن لكل أنواع التعذيب، فيعتدى عليهن بالضرب والشتم ويتم سحلهن، بالإضافة إلى كل أنواع التنكيل التي لا تخطر على بال والتي تمارس عليهن“، وتابعت ضيفة منتدى“الشروق“:”أنا شخصيا تعرضت للضرب وكسرت يدي والفك السفلي لفمي، ولكني لن أتراجع عن مهمتي في الدفاع عن بيت المقدس“، وأشارت زينة عمرو في سياق متصل، أن مرابطات المسجد الأقصى تتعرضن لضغوطات كبيرة من طرف جنود الاحتلال الصهيوني لتخويفهن وترهيبهن ودفعهن للتراجع عن المكوث في المسجد الأقصى من خلال التقاط صور لهن وحجز بطاقات هويتهن، ولكن يبقى العنوان الراسخ بالنسبة لهؤلاء النسوة هو“الصمود” ولا شيء غيره،
وتحدثت السيدة زينة عمرو عن نجاح مرابطات المسجد الأقصى في منع توسّع المستوطنين والسياح الأجانب فيه، حيث قالت:”كانت النساء تمنعن المستوطنين والسياح من الاستمرار في الاقتحامات من خلال التجمهر والتكبير حتى تمنعن الاستمرار في الاقتحامات وتختصرن الجولات بشكل سريع“، قبل أن تضيف بالقول “مرابطات المسجد الأقصى لا تشكلن حماية لبعضهن البعض فحسب، بل تشكلن حماية للرجال كذلك، فكثيرا ما كان جنود الاحتلال يقومون باعتقال الرجال، وكانت النساء تقومن بالهجوم على جنود الاحتلال لتخليص الشباب والرجال من قبضة الجنود“.
وذكرت ضيفة الشروق أنها تشعر بالفخر والاعتزاز بسبب اختيارها للدفاع عن هذا المكان المقدس:”فأنا أشعر أن الله عزوجل منّ عليّ لأكون من النساء اللائي لهن دور في حماية مكان من مقدساته، فقد كنت من أوائل المعلمات في مشروع مرابطات الأقصى، حيث عملت على تثبيت إصرار النساء على المكوث في باجات المسجد الأقصى، فهذه نعمة كبيرة بالنسبة لي ولو سجدت أبد الدهر لله لما جزيته شكر هذه النعمة“، وتابعت:”كما أشعر بالمرارة والألم والحزن عندما أرى أن أهم قضية من قضايا الأمة وأقدس بقعة على وجه الأرض، تترك لحفنة من النساء لتذقن ويلات الاحتلال، وهذا يعني أن هذه الأمة تخلت عن مهمة الدفاع عن مقوماتها، هذا شيء يشعرني بالمرارة والقهر والألم يزداد يوما بعد يوم، في ظل عجز الأمة الإسلامية عن الدفاع عن مقوماتها حتى على مستوى السلطة الفلسطينية ودائرة الأوقاف التي تقوم على رعاية المسجد الأقصى، وهي الوصية عليه“، ورغم كل هذا –تضيف– الناشطة زينة عمرو نحن متفائلات وهذه رسالة أريد أن أنقلها إلى العالم مفادها “أننا وبالرغم من أننا نصارع هذا الاحتلال بكل ما أوتينا من قوة، وبكل ما لدينا من عدة وعتاد، إلا أننا نأمل في سماع صرخات حرائر بيت المقدس، التي نكّل بها بنو صهيون تسمع في كل أرجاء الأرض لكي يعلم العالم ما يدور في ساحات المسجد الأقصى ليعلم العالم أن حرمة المسجد الأقصى تنتهك“.