منوعات

عام على حرب الإبادة: رُؤى مثقّفين جزائريين حول التّحولات في القضية الفلسطينية

ماجيد صراح
  • 331
  • 0
ماجيد صرّاح
البريد المركزي في الجزائر العاصمة بألوان العلم الفلسطيني، 19 أكتوبر 2023.

في الذكرى الأولى لعمليات طوفان الأقصى في السابع أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب إبادة على غزة، جمعت “الشروق أونلاين” آراء مثقفين جزائريين حول هذه المحطة المحورية في القضية الفلسطينية. 

وتناول كل من الكاتب والناشر إبراهيم تازاغارت، والشاعرة والمترجمة أسماء جزار، والمؤرخ والأكاديمي رابح لونيسي، ما قبل السابع أكتوبر وما بعده، وضرورة دعم الفلسطينيين لرفع الظلم التاريخي الواقع عليهم.

إبراهيم تازاغارت، كاتب وناشر:

عندما ظن الكثيرون أنه تم تصفية القضية الفلسطينية بعد اعتماد مشروع الدار الإبراهيمية في الإمارات العربية المتحدة ونقل عاصمة الكيان الصهيوني من تل أبيب إلى القدس الشريف وهرولة الأنظمة الملكية العربية نحو التطبيع مع إسرائيل، جاءت هجومات 7 أكتوبر لتقلب الموازين وتفرض إعادة النظر في المخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي عرف لحظة نضجه مع أحداث الربيع العربي وكسر دول الصمود والتصدي سنة 2011، بعد القضاء على بلدان عدم الانحياز سنة 1989.

بين كل دول الصمود والتصدي، من العراق إلى سوريا إلى اليمن وليبيا، تبقى الجزائر عاصية ومقاومة لكل المؤامرات بفضل يقظة شعبها وبسالة قوتها الأمنية والعسكرية. أكثر من ذلك، فهي ترفض إعادة النظر في سياستها الخارجية المبنية على مساندة قوى التحرر التي ورثتها عن الحركة الوطنية التحررية. إن دورها في مجلس الأمن كعضو غير دائم ومبادراتها لفائدة فلسطين من جهة، ووقوفها إلى جانب لبنان من جهة أخرى يعبران عن المساندة المطلقة وغير المشروطة لبناء دولة فلسطينية في حدود 1967.

تجدر الإشارة إلى أن هجمات 7 أكتوبر على القواعد الإسرائيلية لم تكن لتحدث لولا الحرب في أوكرانيا ووصول روسيا إلى الحائط، ما جعلها تتحدى الهيمنة الغربية وتفتح ورقة جديدة في السباق الدولي نحو القوة. إن الشرخ الذي ظهر في النظام الدولي المبني على عولمة غربية مهيمنة منذ سقوط حائط برلين سمح لفصائل المقاومة الفلسطينية باستغلال الفرصة لإعادة فرض قضيتهم كقضية محورية.

لقد تمكن طوفان الأقصى من إزاحة حرب أوكرانيا من المشهد وتصدره، ما يعبر عن الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لما يحدث اليوم في غزة ولبنان، والذي ينذر باستخدام غير بعيد للسلاح النووي من طرف إسرائيل لكسر كل مقومات المقاومة لدى الشعوب العربية والإسلامية مع خطر انفلات الوضع نحو حرب عالمية ثالثة محدودة جغرافياً وزمنياً.

إن تقاعس الأنظمة العربية في مساندة المقاومة ووقوف البعض منها مع إسرائيل، فرض الدولة الإيرانية كقوة مواجهة مركزية ضد الكيان الصهيوني. في هذا الصدد، أدعو الجزائريين إلى عدم الانخراط في مساعي المطبعين لجعل إيران هي العدو الأول عوض إسرائيل المسؤولة عن جرائم ضد الإنسانية كل يوم في غزة ولبنان. إن إسلامنا الوسطي والمعتدل والمقاوم لكل ظلم وتاريخنا النضالي العريق يفرضان علينا الوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية وكل الدول الداعمة لها، سواء كانت عربية أو إسلامية أو تقدمية.

أسماء جزار، شاعرة ومترجمة:

على امتداد عامٍ كامل، وحرب الإبادة الممنهجة على غزة وسكانها مستمرة، وطالت لبنان أيضاً، لا سيما بعد أن بلغت الوقاحة برئيس دولة الاحتلال أن يرفع خارطة بلاده المزعومة بحدود تمتد من الفرات إلى النيل. نعم، هكذا هو العدو يجيد تحريك أحجاره جيداً بحشد ترسانته العسكرية والسياسية والإعلامية والثقافية، وفرض أكاذيبه كحقيقة رغم تهاويها منذ السابع من أكتوبر والعبور التاريخي للمقاومة. إذ إنه حاول بكل الوسائل تشويه هذه المعركة أمام الرأي العام الدولي، وبمعية الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائه الغربيين، في حين أن الفلسطيني يقف وحيداً، يواجه محوًا وتهجيرًا من أرضه مع كل أشكال الخذلان من بني جلدته، وبالأخص الفئة المثقفة، إذ أنها بوصلة الجماهير التي توضح لهم الرؤية وتنفض الغبار عن التراكمات المترسبة في العقل الجمعي.

بين الخطابات المتآكلة والصمت المطبق

“يدعونا المشهد الرهيب لأن نكون إما متفرجين أو جبناء، غير قادرين على المواجهة.” – سوزان سونتاغ، الالتفات إلى ألم الآخرين.

ردة فعل دولة الاحتلال الوحشية، والتي لم تخرج عن حيز الإبادة لكل فئات الغزيين من الأجنة في بطون أمهاتهم والأطفال الخدج إلى الشيوخ، والتي تناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي رغم التضييق والحذف لكل المحتوى الفلسطيني، وبفعل التوارد اليومي لأخبار المحرقة الصهيونية، بدت النخبة هلامية مطابقة لوصف سوزان سونتاغ في العبارة السالفة الذكر، منقسمةً بين متفرجين وجبناء وصامتين أو أصوات نشاز بدفاعات مكررة ومهزوزة، عاجزة عن تحديث خطاباتها والاحتكاك بفئات الشعب التي لم تعد تؤمن أصلاً بوجود فئة مثقفة. وهكذا انفض الجمع من حول غزة، وصاروا يحيون أيامهم بكل أريحية، وإذا ما فتح موضوع الحرب، يتنهدون بدعوة مختصرة: “ربي معاهم”. ثم ماذا يعني مثقف في زمن الإبادة، وفي بلد كالجزائر، والتي تعتبر مدرسة في الفكر الثوري والتحرري لجميع ثوار العالم وحركات التحرر؟ في الغالب، المثقف صار بلا وزن ولا قيمة، ولا يعدو كونه امتداداً لواقع رديء، منفي في برجه العاجي، ومساندته مبتذلة وبائسة لا تخرج عن نطاق جداره الافتراضي، أو غارقًا في سبات الصمت، وهو ما عبر عنه الشاعر “عمر أزراج” في إحدى حواراته:

“أعتقد إن صمت الكثير من المثقفين، أو التردد في التعبير المباشر عن مواقف واضحة حيال محرقة غزة، يعكس فقدانهم ذاكرة الولاء لتاريخهم، ويجسد تلاشي الروح الوطنية من ضمائرهم…”

أُفق ما بعد العام من الحرب

انقضت السنة على الطوفان الذي ما زال في أوجّ انتصاراته التي توسعت إلى جنوب لبنان بالموازاة مع استمرار الحرب الهمجية والتهجير الممنهج ضد الغزيين العزل. وحال الواقع يقول بأنه لا بلاد في منأى عن مخططاتهم الشيطانية، وسنة من الصمت والسير نياماً حيال هذا الاجتثاث للشعب الفلسطيني من جذوره وأرضه، ولنا أيضاً كفيل بأن يجعلنا نُسائل ذواتنا ونعيد النظر في خطاباتنا المتآكلة، ويعترينا الخجل أمام مواقف شرفاء الغرب الداعمة لفلسطين، وهبتهم أثر تهاوي الزيف الصهيوني. النخبة الغربية على انقسامها، لم يتوانَ شركاؤها في تجريم العدو دون إغفال حراك الطلبة وأساتذتهم لوقف حرب الإبادة.

في المحصلة، غزة أيضاً “غيتو”، كما وصفها أحد الأطباء المتطوعين في منظمة أطباء بلا حدود على مدار عقدين من الزمن، ولم تسقط. تلتها حرب إبادة، ولم ينل المحتل مبتغاه. وعلى هذا النحو، هي درس لنا لنستفيق من سباتنا من أجلنا ومن أجيال تكبر على تبدد القيم وعلى الجهل التام بمعنى الانتماء للوطن وللإنسان.

رابح لونيسي، مؤرخ وأستاذ التاريخ المعاصر في جامعة وهران:

تحل علينا اليوم الذكرى الأولى لهجمات 07 أكتوبر 2023 التي قامت بها المقاومة الفلسطينية على مستوطنات صهيونية، وقد اختلف البعض آنذاك حول ذلك، فقد أراد الكيان الصهيوني أن يصورها بأنه اعتداء عليه، ومن حقه الدفاع بكل الوسائل. وقد انساق الكثير من الدول والإعلام الغربي مع هذا الطرح متجاهلين أن هذا الكيان هو استعمار استيطاني أخذ أرض شعب وأتى بأناس من بقاع العالم كله، فاستوطنها هناك وأقام كيانا عنصريا ضد الفلسطينيين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، بل حتى يهودًا كانوا يعيشون هناك، والذين يختلفون عن اليهود الذين جاءوا من دول أخرى. كما أخفى هذا الإعلام كيف كان المستوطنون الصهاينة يستولون على الأراضي بدعم الجيش، مما دفع المقاومة إلى الدفاع عن الفلسطيني الذي كان يُقتل يوميا، إضافة إلى رغبة في إعادة القضية الفلسطينية إلى الساحة الدولية بعد ما دفعت إلى آخر الاهتمامات. ونسي العالم بأن هناك شعبًا يُهضم ويُقتل يوميا، ومن حقه إقامة دولته.

لعل البعض ينظر إلى القضية بعدد الشهداء الذي أعطاه الشعب الفلسطيني في هذه الحرب الصهيونية ومدى الخراب والدمار الذي لحق بغزة، لكن نسي هؤلاء أن تحرير الأرض يتطلب تضحيات، فهذه التضحيات هي التي تنير الطريق، وتعطي الحياة لأي شعب كان. وكلما ازداد الإجرام الصهيوني زادت معه قوة المقاومة. فلو نظرنا برؤية هؤلاء، فأين يضعون تضحيات الشعب الجزائري مقابل الإجرام الاستعماري الفرنسي الذي انتهى باعترافه بسيادته رغم ملايين الشهداء؟ ألا تشبه عمليات 07 أكتوبر 2023 عمليات 20 أوت 1955 في الشمال القسنطيني التي أعطت لثورتنا التحريرية نفسا قويا، بل جعلت الشعب ينخرط في العمل المسلح بقوة بسبب انجرار الجيش الاستعماري إلى تقتيل الشعب بكل همجية؟ أليس هو نفس الأمر الذي يحدث في فلسطين اليوم؟

كما بينت هذه الحرب مدى همجية الصهيونية، وأنها لا تختلف عن النازية إن لم تفوقها، وهو ما جعل الكثير من الرأي العام العالمي، خاصة الغربي، يكتشف هذه الحقائق رغم القمع والتستر الإعلامي. فبدأ الكثير منهم يدركون أن الصهيونية تشترك مع النازية الهتلرية في الكثير من الأمور مثل العنصرية وشعب الله المختار، ومنها أيضا نظرية المجال الحيوي، ومعناها أن كل دولة يجب عليها أن تتوسع على جيرانها كلما ازداد عدد سكانها وحاجاتهم، وإلا ستموت. لكن خطورة النازية الصهيونية مقارنة بالنازية الهتلرية الألمانية أن هذه الأخيرة تستند فقط على النقاء والتفوق العرقي، لكن الصهيونية تضيف إلى ذلك عملية خطيرة، وهي توظيفها واستغلالها الدين اليهودي لتبرير ممارساتها. وهو ما يظهر بجلاء في همجيتها ليس فقط ضد الشعب الفلسطيني، بل سيأتي اليوم الذي ستقوم فيه بنفس الممارسات ضد الجميع. وأكثر من هذا، فهي توسعية، فكلما ازداد عدد سكان الكيان الصهيوني والمهاجرين إليه، ستظهر بقوة نظرية المجال الحيوي النازية التي وضع أسسها هتلر، والتي تقضي بالتوسع في الأراضي المجاورة من أجل الاستيطان. هذا ما يفسر لنا تزايد المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، حيث يصل عددهم في غزة والضفة الغربية إلى أكثر من 500 ألف مستوطن يمارسون أبشع أساليب القتل والتدمير والخنق للشعب الفلسطيني. هذا ما يجعل الكيان الصهيوني يرفض فكرة إمكانية تطبيق حل الدولتين، أحدهما لليهود والأخرى للفلسطينيين، لأن الكيان الصهيوني لن يقبل بذلك إطلاقا بسبب بحثه الدائم عن المجال الحيوي الذي يقتضي التوسع، ولهذا تمت عرقلة أي تطور أو تطبيق المراحل المتبقية من اتفاقيات أوسلو 1995 التي من المفروض أن تدخل مرحلة أخرى هي إنشاء دولة فلسطينية متكاملة الأركان في كل من الضفة الغربية وغزة. فبدل تحقيق ذلك، وقع العكس، فأزدادت المستوطنات بشكل رهيب، مما يتطلب حمايتها بالجيش الصهيوني، وكذلك بإبادة وتقتيل الشعب الفلسطيني وسلب أراضيه كي يخلو المجال لليهود الذين جُيء بهم من كل أصقاع العالم بنفس الشكل والطريقة التي جاءت بها فرنسا الاستعمارية بأوروبيين إلى الجزائر منذ 1830.

كما تريد الصهيونية اليوم أيضًا أن تدفع بما تقوم به في فلسطين من جرائم بشعة إلى صدام حضاري لإشعال حرب حضارية في كل بقاع العالم، أي بتعبير آخر تريد إحياء نظرية صدام الحضارات لصمويل هنتنغتون التي ظهرت فشلها بعد ما حاولت أمريكا توظيفها للتوسع على ظهر العالم الإسلامي الغني بالثروات، خاصة الطاقة.

تختفي أيضًا وراء الهمجية الصهيونية في فلسطين اليوم رغبة دفينة في إحياء ما تسميه ظاهرة “معاداة السامية” في كل العالم كرد فعل على هذه الجرائم، مما سيشعر يهود العالم بعدم الأمن والاستقرار، فيضطرون للهجرة إلى فلسطين كما فعلوا بسبب المذابح النازية الهتلرية ضدهم، والتي دعمتها الصهيونية خفية لأنها خدمت استراتيجيتها. فأي عودة لهذه الظاهرة، خاصة من مسلمي أوروبا، فإنها لا تؤدي فقط إلى حروب أهلية بين المسلمين واليهود فيها، مما سيضعف هذه الدول، بل أيضًا ستدفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، مما سيخدم المشروع التوسعي الصهيوني، وهو ما سيؤدي إلى الاستيلاء على أراضي الجيران شيئًا فشيئًا. فيتخلص هذا الكيان من مشكل بشري يعاني منه يمنعه من القيام بحروب طويلة الأمد تستنزف قواه بسبب أن المجتمع الصهيوني مجتمع عسكري أصلاً، ففي حالة أي حرب طويلة الأمد تؤثر على اقتصاده بسبب النقص البشري وتعبئة أكبر عدد من السكان. يتطلب حل هذه المشكلة الديمغرافية بالنسبة للكيان الصهيوني تزايد الولادات والهجرات اليهودية إليه، مما سيمهد لتنفيذ مرحلة أخرى من المشروع الصهيوني تتمثل في إقامة ما يسميه بـ “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات.

مقالات ذات صلة