عبث “العقب الحديدي” بأوروبا العجوز
مرّة أخرى، نُخدع كنخب عربية وإسلامية بخطاب غربي صهيوني جاهز، سلّمنا بصدقه وكأنه وحيٌ منزل، وكان محل الشك الوحيد في سلامة عقل من شكك في الرواية الرسمية لعملية “شارلي إيبدو” ونسبها للجهات المستفيدة، التي نراها اليوم تجمع أرباح العملية الإرهابية الاستخباراتية بامتياز.
فقد كسب الرئيس الفرنسي بقدرة قادر أكثر من عشرين نقطة في آخر الاستطلاعات، وحصلت اللوبيات اليهودية على حصة الأسد من الريع، بتحريك مسار تشريعي في فرنسا وأوروبا سوف يجعل من أبسط انتقاد لليهود ولإسرائيل جريمة إرهابية تعامل بإجراءات قانون الإرهاب وعقوباته.
ثمة فريقٌ آخر قد يكون هو الرابح الأكبر على المدى المتوسط والطويل، لأن العملية قد حققت لإسرائيل وللولايات المتحدة ولأرباب “العقب الحديدي” ما لم تحققه حتى أحداث 11 سبتمبر، بتهيئة المسرح لمواجهة مفتوحة بين الأوروبيين والمسلمين، تتغذى من مآسي التاريخ الصليبي والاستعماري، وقد يكتشف الأوروبيون بعد حين من الدهر أنهم مثلهم مثل المسلمين، هم ضحايا مخطط أمريكي صهيوني، يشتغل منذ فطرة على إضعاف القارة العجوز عبر الزج بها في مواجهة مجنونة مع المسلمين، تهيّئها للالتحاق كتابع وملحقة لمركز القوة الجديد الذي تشيده الولايات المتحدة تحت عنوان “نافتا” أو اتفاقية التبادل الحر لدول شمال أمريكا.
من اللافت أن قيادات الدول الأنغلوساكسونية تعاملت بالحد الأدنى في تعاطفها مع “مأساة” فرنسا الأخيرة، ولم يشارك إعلامها في إعادة نشر الإساءة البذيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، فيما كانت دبلوماسية “العقب الحديدي” تتحرك في الخفاء لتحريض الأوروبيين على الانتقال السريع من شجب “الإرهاب الإسلامي” إلى إعداد الترسانة الأمنية والقانونية لخوض معركة “هارماغيدون” مع المسلمين في أوروبا أولاً، والتورط أكثر في ساحات المواجهات الكثيرة مع العالمين العربي والإسلامي.
الولايات المتحدة وإسرائيل يراهنان على ضعف وحماقة النخب الأوروبية الحاكمة الفاقدة للبوصلة، كما تراهن على الذاكرة الضعيفة للعرب والمسلمين، ليدخل الحمقى منهم في شراكة غير طبيعية، وقتال مشترك مجنون في العراق وسورية وليبيا تحت راية الربيع العربي الكاذب.
وحيث بدأ يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود حيال الأطراف المستفيدة من العملية الإرهابية الاستخباراتية، فلا بد لأطراف عاقلة في فرنسا وأوروبا، وفي العالم الإسلامي أن تتوقف لحظة للتفكير، قبل المضيّ في تسعير المواجهة بين الأوروبيين والمسلمين، ولا بد للأوروبيين أن يعلموا أن أوروبا هي التي ستخسر من هذه المواجهة المفتوحة، والعداء الأوروبي للمسلمين، الذي انتقل من دائرة النخب الفكرية والإعلامية إلى الفضاء الشعبي، وقد نجحت اللوبيات اليهودية في التوغل داخل التنظيمات اليمينية الأوروبية، لتسعر داخلها مشاعر الكراهية للمسلمين بعد أن كانت قبل عقد من الزمن موطنا للأفكار المعادية لليهود.
هذا الموقف العاقل لن نرتقبه من فرنسا، التي سجنها اللوبي اليهودي داخل شرك “اللائكية” التي تُختزل اليوم في معاداة كل ما له صلة بالإسلام، لكن العقل والتعقل قد يلتمس من جهة الألمان ومستشارتهم ميركل، التي كانت أكثر تبصّرا سواء في ملف أوكرانيا، أو حتى من جهة تعطيل قيام سياسة خارجية أوروبية تورط أوروبا في حروب الولايات المتحدة، وترفض دعم مغامرات هولاند في إفريقيا، ونراها تشارك في مظاهرة معارضة لموجة العداء ضد المسلمين في ألمانيا.