عبرة صراع الألمان مع الغاز الروسي…
تُغيِّر الموارد البشرية والطاقوية والمنجمية والطبيعية عادة من المكانة الجيواستراتيجة للدولة وثقلها على الصعيد الدولي.
وتُعد الحالة الألمانية اليوم خير مثال. لقد رَهن الغاز الروسي كل القوة الألمانية وجعل موقفها مُتذبذبا من الحرب في أوكرانيا خلافا للولايات المتحدة ذات الاكتفاء الكبير في الموارد المختلفة. ودفعت هذه الحالة بالألمان إلى اللجوء إلى المورد البشري المتميز لديها لتجد حلولا مُبتَكرة تُعوِّض هذا النقص الفادح في الطاقة الأوحفورية.
وسنسمع بلا شك في السنوات القادمة عن اكتشاف الألمان لبدائل لهذه الطاقة التقليدية. ولن تتوقف مخابر البحث عن العمل إلا حين تصل إلى هذه النتيجة. ويتوقع أن يتم ذلك في حدود العشر سنوات القادمة. حينها سيحدث عكس ما يحدث اليوم وتُصبح الدول المالكة للطاقة الأوحفورية في موقع ضعيف جيواستراتيجيا إن لم تفقد تماما هذا الموقع ومعه تفقد المكانة التي تعرفها اليوم. ولعلها ستتحول بسرعة نحو التفكك والانهيار إن هي لم تست بق الأمور من الآن لمواجهة مثل هذا السيناريو المحتمل جدا.
ينطبق الأمر ذاته على بلادنا. نلاحظ اليوم ارتفاع وزنها في العلاقات الدولية نتيجة ارتفاع أسهم الدور الحاسم للغاز الجزائري في المعركة الدائرة اليوم بين روسيا والغرب. ولم يكن غريبا أبدا أن تتودد دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا للجزائر خوفا وطمعا، وهذه سمة من سمات الرجل الأبيض حيث يتحول إلى نقيض ما كان عليه بمجرد أن تُصبح مصالحه في خطر. غير أن هذا ينبغي ألا يوهمنا بامتلاك القوة، أو بأن الدوائر لن تدور علينا. عكس ذلك قد نتحول إلى حال أضعف وربما دون أية قيمة بالنسبة للغرب إذا ما وجَدَ بديلا للطاقة غير الأوحفورية، هذا إذا لم يتحول إلى الانتقام والاستعباد كما كان يفعل دوما بالشعوب غير الأوروبية.
وعليه فإنه علينا، الاستفادة من مداخيل هذه المرحلة إلى أقصى الحدود ما دامت الحرب قائمة بين روسيا والغرب. وأهم ما ينبغي الاستثمار فيه هو المورد البشري لأنه وحده الذي لا ينضب بالاستخدام المتكرر وحتى المفرط.
أما ما يجري اليوم من حديث عن كوننا نستطيع استبدال الطاقة الأوحفورية في حالة نضوبها أو الاستغناء عنها، ببيع المعادن النفيسة أو التربة النادرة التي كَثُر الحديث عنها هذه الأيام، إنما ينم عن قصر نظر في مجال العلاقات الدولية، وعن جهل بأولوية المورد البشري المؤهل لاستغلال هذه الثروات والتكنولوجيا المستخدَمة في ذلك على امتلاكه في الحالة الخامة.
لم تنجح الصين في استغلال كافة ثرواتها الباطنية سوى بمواردها البشرية المؤهلة. ولو راهنت عل بيع ما تملك من ثروات في شكلها الخام ما استطاعت أن تتحول إلى قوة عظمى.
ولعل هذا ما ينبغي تكرار التنبيه إليه. إننا بحق نملك كافة الموارد، وما لا نعلم ربما أكبر، إلا أن المراهنة على الأجانب من فرنسيين أو أمريكيين أو غيرهم لتمكيننا من عناصر قوة مادية تُمكِّننا من البقاء، تُعد فاشلة مسبقا.
لقد بينت التجارب في أكثر من دولة متخلفة، أن امتلاك الثروة الطبيعية لا يعني التقدم أو المكانة الدولية إذا لم يُرَافق ذلك بطاقة بشرية مؤهلة.
وفي كل الحالات، يمكن للطاقة البشرية أن تجعل البلد يتكيف مع الأوضاع وينتصر، أما العكس فغير صحيح.. مهما كانت كمية الثروات المادية التي تملك لن تُعزِّز مكانتك على المدى البعيد. وهذا ما ينبغي ألا نقع فيه… ولا أظن أن الألمان لن يجدوا حلا لتعويض الغاز الروسي…لأن الصراع في آخر المطاف بين العقول وليس بين الحقول…