“عدْل”… تُحرّك عجلة الاقتصاد وتغير ذوق الجزائريّين في الديكور وتوفر فُرص عمل للشباب
لم تعد مختلف المشاريع السكنية في الجزائر، وعلى رأسها سكنات “عدل”، مجرد حلول لأزمة السكن، بل تحوّلت إلى رافعة اقتصادية حقيقية ساهمت في تنشيط عشرات المهن والحرف، وخلقت حركية لافتة في السوق المحلية، خاصة في مجال تهيئة المنازل والديكور.
فبمجرد استلام المستفيدين مفاتيح شققهم لمختلف الصيغ السكينة، يسارعون إلى إعادة تصميم فضاءاتهم الداخلية وفق أذواق عصرية، ما أدّى إلى انتعاش كبير في الورشات الصغيرة المختصة في صناعة المطابخ، الزجاج، الألمنيوم، والديكور الداخلي، بيع الأثاث.. إلى جانب بروز مؤسسات مصغرة يقودها شباب مبدعون استطاعوا فرض أنفسهم في هذا المجال.
والتغير في مجتمعنا لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل طال أيضا الذوق الجمالي للجزائرييّن، حيث لم تعد المنازل تقتصر على التصميم التقليدي الذي يضم عادة رواقا طويلا وغرفا مغلقة، بل أصبح الاتجاه نحو الفضاءات المفتوحة، كمطابخ مفتوحة على الصالون، وألوان هادئة وأثاث بسيط وأنيق.
ديكور عصري يعكس تحولا في الذوق العام
ولأن المطابخ، تعتبر ركنا مهما في الشقق، فباتت تعرف تحولا ملحوظا في تصاميمها مؤخرا، هذا التحول فرضه تنوع العروض في السوق وانخفاض الأسعار نسبيا، حيث تتراوح تكلفة تجهيز مطبخ عصري ما بين 10 و40 مليون سنتيم، بحسب نوعية المواد المستعملة، بين الخشب، الألمنيوم، أو تصاميم ” هاي غلوس” اللامعة.
وفي هذا السياق، أكد صاحب مؤسسة MAISON DESIGN DZ في حديث مع “الشروق”، أن الطلب على تهيئة المطابخ ارتفع بشكل ملحوظ منذ انطلاق توزيع سكنات “عدل” وبقية الصيغ السكنية، مشيرا إلى أن كل زبون يختار التصميم وفق قدرته الشرائية، حيث تبقى المطابخ المصنوعة من الخشب الأكثر جودة، فيما تعتبر تصاميمHIGH GLOSS الأكثر جمالية، في حين يظل الألمنيوم الخيار الأقل تكلفة.
مُوّاسة: المشاريع السكنيّة باتت مُحركا مباشرا للمؤسسات الصغيرة
وأضاف المتحدث، أن تعامل الزبائن يختلف من شخص لآخر، فهناك من يتدخل في أدق تفاصيل التصميم، بينما يفضل آخرون ترك الحرية الكاملة للحرفيّ إلى غاية تسليم المطبخ جاهزا.
من البساطة إلى البحث عن الراحة والجمال
من جهته، أوضح صاحب ورشة لصناعة المطابخ من ولاية البليدة، أن الجزائريين في السابق لم يكونوا يولون أهمية كبيرة لديكور المطبخ، حيث كانت تكتفي العائلات بطاولة وبعض الخزائن البسيطة، لكن الوضع تغير بشكل واضح في السنوات الأخيرة.
وأرجع المتحدث هذا التحول إلى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والمسلسلات الأجنبية، خاصة التركية، التي تبرز جمال الديكور الداخلي للمنازل جلبا للسياح، ما دفع الجزائريين، خاصة النساء، إلى البحث عن مطابخ تجمع بين الراحة والجمال، باعتبار أنهن يقضين وقتا أطول فيها.
وأشار إلى أن الزبائن يفضلون حاليا الألوان الهادئة مثل الأبيض و”البيج”، مُبتعدين عن الألوان الصارخة، مع وجود فئتين من الطلب، على حد قوله فئة تبحث عن الجودة العالية باستعمال أخشاب مستوردة من تركيا وأوروبا، وأخرى تفضل الحلول الاقتصادية، مؤكدا أنه حتى المطابخ منخفضة التكلفة يمكن أن تكون جميلة إذا تمّ تصميمها بذكاء.
كما شدد محدثنا، على أن الأسعار تختلف حسب مساحة المطبخ وارتفاعه، إضافة إلى نوعية المواد، مشيرا إلى أن الحرفييّن باتوا يقترحون أفكارا مبتكرة على الزبائن قد لا تخطر على بالهم.
مراكز التكوين تواكب الطلب المتزايد
هذا الإقبال الكبير على خدمات الديكور دفع أيضا مراكز التكوين المهني إلى فتح تخصصات جديدة في هذا المجال، استجابة للطلب المتزايد، ما يعكس تحولا حقيقيا في سوق العمل نحو المهن الإبداعية والحرفية.
وفي قراءة اقتصادية لهذا الحراك، أكد أستاذ الاقتصاد عبد القادر مواسة، أن مختلف البرامج السكنية في الجزائر، وعلى رأسها “عدل”، كان لها أثر مباشر في تنشيط الاقتصاد المحلي.
وأوضح في تصريح لـ”الشروق”، أن مختلف المشاريع السكنية التي أطلقتها الدولة السنوات الأخيرة، لم تخلق فقط طلبا على مواد البناء، بل ساهمت في بروز سلسلة كاملة من الأنشطة المرتبطة بها، مثل النجارة، الألمنيوم، الديكور، النقل، وحتى الخدمات الرقمية المرتبطة بالتصميم.
وقال المختص: “المؤسسات الصغيرة والمتوسطة كانت المستفيد الأكبر من هذه الديناميكية، حيث وفرت مشاريع السكن فرص عمل حقيقية للشباب، خاصة في المهن الحرة والحرفية”.
وأشار إلى أن هذا النوع من النشاط الاقتصادي “المصغر” يتميز بسرعة الانتشار وقلة التكاليف مقارنة بالمشاريع الصناعية الكبرى.
وختم مُوّاسة، بالتأكيد على أن الاستثمار في السّكن لا يقتصر على حل أزمة اجتماعية فقط، بل يمثل رافعة اقتصادية متعددة الأبعاد، قادرة على خلق الثروة وتحريك السوق الداخلية بشكل مستدام.
وبهذا، يتضح، بحسب الخبير الاقتصادي، أن سكنات “عدل” لم تغير فقط شكل المدن، بل أعادت تشكيل أنماط العيش وفتحت آفاقا جديدة أمام الشباب، في مشهد يجمع بين البعد الاجتماعي والاقتصادي والجمالي في آن واحد.