عراك وكسر عظام بين النوّاب
كل شيء كان مهيأ كي يقوم نواب الشعب الناقمون على قانون المالية لسنة 2016، بشيء ما في جلسة المصادقة على المشروع، في ظل الاحتقان الذي طبع العلاقة بينهم وبين نواب الموالاة، التي تمكنت بفضل أريحيتها العددية من فرض منطقها.
وهكذا لم يجد نواب المعارضة، ممثلين في “تكتل الجزائر الخضراء” الذي يضم كلا من حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح الوطني، مدعومين بنواب جبهة القوى الاشتراكية، وجبهة العدالة والتنمية، وحزب العمال، حركة البناء الوطني، سوى تسجيل موقف يحفظ لهم ماء وجههم، فقرروا تبني خيار التصعيد بعيدا عن الجلسة، وكان لهم ما أرادوا .
وكانت البداية بوقفة مع الصحافة في حدود الساعة التاسعة صباحا، شرح خلالها نواب المعارضة موقفهم من المشروع القانوني، اتهموا من خلاله “رجال الأعمال والمال الفاسد بتجويع الجزائريين وإثقالهم بالضرائب والرسوم”، واتهموا لجنة المالية بالتواطؤ مع الحكومة من أجل حرمان النواب من تقديم تعديلاتهم، كما انتقدوا ما اعتبروه “تغول الجهاز التنفيذي على الجهاز التشريعي والدوس على النظام الداخلي للمجلس “.
وبعد فراغهم من الندوة الصحفية قاموا بتنظيم مسيرة ببهو المجلس، رفعوا خلالها العديد من الشعارات المنتقدة للمشروع والمنددة بفرض رجال المال والأعمال سطوتهم على الدولة الجزائرية من خلال قانون المالية 2016، الذي يسمح لهم بالسيطرة على مفاصل الدولة، معلنين تبرؤهم منه.
ومن بين الشعارات التي تم رفعها “المصادقة على القانون يعني قتل الشعب”، و”لا لخوصصة الدولة” و”لا تمس بالدولة الاجتماعية”.. قبل أن يتطور الاحتجاج ليصل إلى محاولة إعاقة رئيس المجلس، محمد العربي ولد خليفة، من الوصول إلى المنصة ومن ثم ترؤس الجلسة، وهو ما نقل الاحتجاج إلى تطور خطير، طبعه عراك بالأيدي والأرجل في مشهد مؤسف.
ولم يهضم النواب المحتجون التعديلات التي تمت في “جنح الظلام” وتراجع لجنة الميزانية عن بعض ما تم التوافق عليه، والإشارة هنا إلى المواد، 2 (تتعلق بالرسوم الجديدة) و53 (الاستدانة) و66 (الخوصصة) و71 (صلاحيات البرلمان).
الاحتجاجات لم تتوقف عند هذا الحد، بل تواصلت، حيث حاول نواب المعارضة عرقلة انعقاد الجلسة بكل الطرق، وحاولوا منع مقررة لجنة المالية، سعيدة بوناب، من عرض مشروع التقرير التكميلي، وانبرى نواب الحزب العتيد لتوفير الحماية للنائب المقررة، لتنطلق بعدها الجلسة في جو شهد الكثير من التوتر، بحيث لم تخل القاعة من الهرج والمرج أثناء التصويت على المشروع مادة بمادة.
وعاد الضغط مجددا إلى الارتفاع عند وصول المناقشة إلى المادة 66 من المشروع التي أسقطتها لجنة المالية بالتوافق، غير أن وزير المالية طلب استدراكا لتعديلها شفويا قبل عرضها للتصويت، وهنا ثارت ثائرة النواب وبدأ الصراخ والضرب على الطاولات وعلا نشيد قسما من أفواه نواب المعارضة، ليقرر بعدها المعارضون وهم يقفون على تمرير المادة المذكورة، الخروج من القاعة متجهين إلى شارع زيغود يوسف على الواجهة البحرية للمجلس في مسيرة، مرددين عبارات: “نهبوا البلاد”، “حبوا يبيعوا البلاد”.. غير أن الشرطة كانت لهم بالمرصاد ومنعتهم من السير في الشارع، قبل أن ينفض الجميع.
مقري: تمرير المادة 66 يؤكد فعل الخيانة
شجب عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم تمرير المادة 66 من قانون المالية المثير للجدل، معتبرا الأمر بمثابة ما سماه الخيانة الكبرى التي يتعرض لها الشعب الجزائري اليوم محذرا من العواقب الوخيمة للقانون.
وأضاف مقري أن كتلة الأغلبية استطاعت تمرير المادة 66 من قانون المالية الأمر الذي يؤكد فعلا أن تلك الأغلبية “وهي كتلة الافلان والارندي ومن يجري في فلكهم تتلقى الأوامر من طرف جهة قبضت يدها على زمام الأمور بشكل غير دستوري“.
وقال مقري في بيان على صفحته في “الفايسبوك” إنه “سبق أن قلنا إن النظام سيعمل على الاستمرار في التشبث بالسلطة بعد ظهور أمارات الأزمة الاقتصادية التي أوقع فيه الجزائر بفشله وفساده ببيع المؤسسات الاستراتيجية وبيع الأرض”، مضيفا ” إن هذا التصويت بالإضافة إلى أنه غير وطني وغير سيادي فهو غير شرعي وغير قانوني وغير دستوري وكل الأحكام والإجراءات التي تبنى عليه باطلة. لقد بينا سابقا لا دستورية هذه المادة ولا يمكن لكتل برلمانية جاءت بالتزوير أن تقرر في قضية خطيرة مثل هذه، هذه المادة هي بحجم استفتاء شعبي“.
النهضة: ما حدث بالبرلمان مصادرة لحق النواب
وصفت حركة النهضة المصادقة على قانون المالية لسنة 2016 “بإعلان حرب” على جيوب المواطنين، وهو ما سينعكس حسبها على استقرار الجبهة الاجتماعية بعد أن استولت مجموعة بعيدة عن إرادة الشعب الجزائري اتخذت من مؤسسات الدولة مرجعية لفرض سياسات وقرارات خطيرة تهدد مستقبل البلاد.
وقالت النهضة في بيان تسلمت “الشروق” نسخة منه “إن إقرار قانون المالية 2016 دون تغييرات حقيقية يعد ترسيما لمرحلة فاصلة بين مرحلة تبذير المال العام والسياسات الناجمة عنها وإعلان دخول مرحلة الاعتداء على جيوب الشعب.. دون مراعاة عواقب ما أقدمت عليه السلطة، وأن هده القرارات اتخذت في مرحلة خطيرة تمر بها الجزائر” .
واعتبرت النهضة الأحداث التي وقعت أمس في قبة البرلمان بمثابة مصادرة لحق النواب في قيامهم بدورهم الرسالي بتعديلات ومن ثم سحبها هو نتاج ممارسات الضغط والتهديد والإغراء من السلطة للنواب في لجنة المالية وفي قاعة المداولات، وهو يعبر حسبها عن عدم التخلي عن سلوكيات تتشبع بها الجهات التي تتولى تسيير الشأن العام.