الرأي

عرفات .. سؤالنا المفتوح

صالح عوض
  • 3388
  • 5

سيدي الرئيس أو الأخ القائد العام لقوات الثورة، كما أحببت أن يناديك الثوار أو الوالد، كما كان يحب أن يناديك أبناء شعبك، لم أمتلك القوة بعد لأبوح بما عندي عنك، ولكني في حضرتك أريد أن أتساءل.. هل قتلوك؟ إنهم قتلوا الوهم بإمكانية التعايش معهم.. ومن قتلك؟ قتلك أعداء فلسطين والذين شحذوا سيوفهم لذبحها ففضحتهم وألقيتهم في محكمة التاريخ، قتلك الذين اصطدمت مهماتهم القذرة بوجودك الشامخ تسد عليهم الثغرات..

اكتب لك الآن بعد سنوات عجاف حملتنا على أكتاف الريح، نعصر فوق الشوك بعضا من شوقنا اليك فيزهر في القيود نوارس وياسمين ونمتلئ دفئا في زمهرير الليالي الكالحات، متدثرين بروحك المنتصرة وعيوننا لا تزيغ عن يديك، وهي تشير إلى القدس الشريف.. واكتب عنك فينتفض القلم توثبا وإشراقا وينحني إكراما لك، وأنت تمسح دموع الأرامل والثكالى وتقبل جراح المصابين وتضم إلى صدرك أبناء الشهداء..

دعوتني إلى مقرك بتونس بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو وسألتني لماذا ترفض أوسلو، فأجبتك، لأنها لا تعطينا إلا غزة وأريحا، فأين نابلس وقراها وجنين وقراها والخليل وقراها؟فجاءني ردك الذي غير جوهر موقفي في الحياة: “وأين  صفد وقراها وأين عكا وقراها وأين حيفا وقراها وأين يافا وقراها وأين السبع وقراها.. اسمع، شبر واحد أحرره سأنطلق منه لإسقاط المشروع الصهيوني..”، ثم بكينا معا وعانقتك عناق الروح وعناق الابن لأبيه وكان هذا عهد لم أخلفه معك حتى آخر لحظات عمرك المبارك.

سيدي الرئيس، لم أكن أدرك سر ترددك دوما على الجزائر ولعلك في بعض الأحيان لم تكن تحمل شيئا مهما لمناقشته أو التحدث حوله، ولكنك عندما قلت لي وأنت تودعني مع الأخ أبوعلي شاهين رحمه الله في مهمة للجزائر: إذا ضاقت عليكم الدنيا فعليكم بالجزائر.. وقلت لي: عندما كنت أشعر بضيق، كنت اذهب إلى الجزائر فأسير في شوارعها ليلا وأتنسم ريح الحرية وأنا أتملى مبانيها وشوارعها فامتلئ باليقين بنصر فلسطين قريب جدا.. عدت والأخ أبوعلي شاهين من الجزائر وقد أنجزنا المهمة التي حملتنا بفضل سخاء إخواننا الجزائريين وسرعة إجابتهم.. استقبلتنا في مكتبك وأدخلتنا غرفتك، كنت في غاية الحيوية والنشاط وكانت الانتفاضة همك اللحظي. فقلت موجها الكلام لنا : نحن في معركة وكل واحد على جبهة يجب أن يحرص على عدم قدرة العدو أن يخترقها.

طلبت منك أن ألبي دعوة جاءتني للقاء مسئول إيراني كبير، فأسرعت تمنحني الموافقة وأنت تبتسم : فورا يا “….” أنا أحب إيران. وعندما عدت أردت أن أشرح لك الموقف فقلت لي: لا تحدثني عن شيء، فقط أجبني هل آنت سعيد؟ فقلت لك نعما، فقلت كفاية هذا.

في مرة دفع بعض السلفيين من البلوش رسالة اليك يطلبون منك أن تستلم مبلغ 600 مليون دولار من الإمارات العربية على أن تأخذ آنت نصفها، وتسلم نصفها الآخر للبلوش ليقوموا بأعمال تخريبية ضد إيران، وبعد أن اطلعت على أمرهم قلت: “إنني لا أخون إيران”.

سيدي الرئيس، هناك من المهمات ما لم يأت الوقت بعد للإفصاح عنها، ولكني هنا أريد أن أرثو لك حال شعب احبك، وهو اليوم يتمزق ألما، لكنه لم يستبدلك ولاتزال أنت الرئيس الملهم له بالمقاومة والكفاح: على القدس رايحين شهداء بالملايين.. لقد كان خيارك واضحا بعد أن حاولت أن تعمي عليهم مقاصدك طويلا، ولكن عندما أصروا عليك أن تتبرأ من فلسطين أبيت، كيف لا، وأنت من تلك السلالة الطاهرة وصولا إلى جدك الأقرب جعفر الصادق، وجدك الأول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. كان موقفك شبيها بموقف جدك الحسين وأنت تقول شهيدا بعد أن تخلى عنك الحكام العرب جميعا، وبعد أن ولّى القوم عنك الدبر وبقيت وحيدا معك قلة من المؤمنين في حصار وقصف لك بأنواع القنابل وأنت تصرخ في العالمين: لن ننهزم وفلسطين أكبر من الجميع، وإن شبلا فلسطينيا سيرفع راية فلسطين على أسوار القدس..

الأخ القائد العام، لقد أرسيت مبادئ وقيما في الساحة الفلسطينية، وانتشلت شعبنا من التشتت والضياع ووحدت الشعب كله وكنت إنسانا رائعا لم تعرف اللا إلا في وجه من يريدك أن تتنازل عن المقدسات والثوابت.. فأطلقوا عليك بغاث الطير والفاسدين من لا خلاق لهم ليحاربوك ويعزلوك فكنت تطاردهم وأنت محاصر ولازلت تطاردهم وأنت تحت الثرى.

آخر مرة كلمتك فيها طلبتك وأنت في عرينك برام الله.. وكانت آخر كلمة لك لي: توكل على الله على خيرة الله.

 

أبوعمار، يا من انطلقت بشعلة الثورة فدائيا فذا فسار خلفك شعب الجبارين كما تحب أن تسميه.. اسمح لي وقطرات الندى تنز من جبيني وأراك شامخا بعزتك تهتف في الزمان هيهات منا الذلة.. لقد أحسنت يا سيدي قتالك.. وأحسنت يا سيدي استشهادك.. وإني أريد أن اكتب لك جملة ارفعها إلى مقامك العالي: إننا نحن أبناء فلسطين ورجالها كما كنت تقول دوما أعظم من كل القيادات لم ننقسم ولم نتشتت، وأننا في انتظار اللحظة الميلاد لتجدد الثورة والكفاح الشامل، موحدين شعبنا وموقعين في سفر المجد بدايات ثورة عارمة تمنح بوصلة الأحرار دقة التصويب.. سلام عليك وعلى أجدادك السابقين ورحمة الله على الشهداء.

مقالات ذات صلة