عروض “رقميّة” ألغت المسافات وسهلت الخدمات
ساهم التطوّر الهائل الذي تعرفه الرقمية، في ظهور مهن ونشاطات دخيلة على مجتمعنا، منها أنشطة خدماتية منزلية تقدم للمواطنين وتخفف عنهم بعض الأعباء في ظل المهام الثقيلة التي تعجّ بها يومياتهم.
التنظيف الكامل للمنزل، تغيير الديكور وغسل الأفرشة والزرابي، مساعدة المسنين والعناية بهم والتسوق.. هي مهن جديدة “اقتحمت” مجتمعنا مؤخرا، يقوم بها أشخاص موظفون أو جامعيون وبطّالون، يبحثون من خلالها عن كسب أموال إضافية وتحسين عائداتهم المالية.
وتعرض “الشروق” عيّنات ناجحة في هذا السياق لشباب بطال وجامعي، ولج عالم المشاريع الرقمية التي باتت “ناجحة جدا”، في ظل التطور الرقمي الهائل ولأن السوق الجزائرية بيئة خصبة ومثالية لنجاح أي مشروع خدماتي مستحدث، في ظل تطور الأسرة النووية، التي بات فيها الزوجان يعملان، وهما بحاجة لخدمات لم تكن متوفرة سابقا. وبرزت هذه الأنشطة الجديدة جليا بعد موجة كورونا، التي قضت على الشكل التقليدي للتجارة والأنشطة الخدماتية.
ووجد بعض الشباب، منهم جامعيون وبطّالون، في عملية التسوق للغير، نشاطا تحول إلى مهنة لاحقا، انخرط فيها كثيرون، حيث يتولى مجموعة شباب مهمة اقتناء مشتريات واحتياجات العائلات خاصة التي تضمّ أفرادا مسنين، أو مرضى، أو حتى عائلات عادية، حالت ظروفها وارتباطاتها المختلفة دون الخروج للتسوق بمفردها، فتتّصل بأرقام هاتفية لشباب روّجوا لعروضهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتمنحهم قائمة المنتجات المراد شراؤها، ويكون الدفع مسبقا أو عقب إتمام العملية التي تكون مرفوقة بوصل شراء، يفصل في الأسعار، وغالبا يملك هؤلاء دراجات نارية أو سيارات صغيرة لنقل الحاجيات.
مهندسة دولة في الزراعة استحدثت نشاط تنظيف المنازل
عيّنتنا الأولى، تتعلق بالتنظيف الكامل للمنزل، من طرف فريق متخصص يمضي يوما كاملا في بيت الزبون، لتنظيف المطبخ وتغيير الديكور وترتيب الأثاث ونفض الغبار.
التقينا صاحبة المشروع، المدعوة هناء مراد زوجة معمري، لا يتعدى عمرها 38 سنة، حاصلة على شهادة مهندس دولة في الزراعة، أنشأت مؤسسة مصغرة مهمتها القيام بالخدمات المنزلية ومساعدة الأشخاص في بيوتهم.
تقول محدثتنا، بأن فكرة إنشاء المؤسسة، التي تجسدت في عز موجة فيروس كورونا 2020، نبعت أساسا من حاجتها الشخصية كربّة منزل، لمساعدة في مهامها المنزلية دون أن تجدها.
وقالت: “كنت أبحثُ أحيانا عن خدمات مثل غسيل الأثاث، وتنظيف أرائك الجلوس.. ولا أجد من يقدمها، ومن هنا جاءتني الفكرة، وخاصة بعد رؤيتي لكثير من الإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لسيدات يعانين من نفس المشكل، وكن يبحثن عن مساعدة في القيام بهذه المهام، فقرّرتُ إنشاء المؤسسة المصغرة”.
واقتصرت مهمة المؤسسة في البداية، على تقديم خدمة غسل الأثاث وتنظيفه، لتتوسّع إلى تقديم خدمة تنظيف المنزل كاملا.
جامعيّون في مؤسّسة تنظيف المنازل
والجميل في هذه المؤسسة المصغرة، أن غالبية طاقمها جامعيون، منهم من يملك شهادة ماستر ويحضر للدكتوراه، وأخريات ماكثات بالمنزل بحاجة لوظيفة، ومنهم طلبة جامعيون يساعدون أنفسهم ماديا.
وعن تقبل العائلات لمثل هذه الخدمات؟ أكدت مرّاد، بأنها وطاقمها ركزوا على عامل كسب ثقة العائلات، التي يتعاملون معها.
وعن نوعية الزبائن أو العائلات التي تطلب خدمات هذه المؤسسة، قالت المتحدثة، بأن 75 بالمائة منهم عاملات، والباقي ماكثات بالبيت، وأخريات يُعانُين من أمراض مزمنة منها الجسدية والنفسية، ولا يقدرن على القيام بأشغالهن المنزلية.
الزحمة المرورية وقلة المياه.. من معرقلات هذه الأنشطة
ومن المشاكل التي تصادف عمال شركة التنظيف عند أداء مهامهم، قالت محدثتنا، بأن أهم مشكل هو عدم توفر المياه، خصوصا عندما تطلبهم عائلات تقطن بالأحياء الجديدة، إضافة إلى مشكل الازدحام المروري، ما يضطر العمال إلى النهوض باكرا جدا”.. نُضيع أحيانا ما يقارب 3 ساعات في زحمة الطريق”.
زيادة على مشكلة غياب عمالة محترفة، موضحة، بأنه في البلدان المتطورة تتواجد مراكز لتدريب عاملات النظافة المحترفات، وهو ما لا يوجد في الجزائر، ما يجعلنا نعاني في تدريب العاملات والعمال حتى نصل لدرجة الاحتراف”.
وفي ما يتعلق بمهمة مساعدة الأشخاص المسنين والمرضى والعاجزين بالمنازل التي تقدمها هذه المؤسسة، دعت محدثتنا، السلطات إلى تكوين وتأطير هذه الفئة، لتقديم خدمات في المستوى، كما طرحت المتحدثة، مشكلة غياب مواد تنظيف نوعية وصحّية من الأسواق المحلية، ما يضطرّهم لاستعمال منظفات مستوردة، تكلفهم مصاريف إضافية.
وتتنقل محدثتنا باعتبارها مُسيّرة الشركة، مع عمالها إلى منازل الزبائن، أو ترسل معهم مشرفة، للمراقبة وضمان سيرورة العمل، وللتعامل مع الزبونة. مؤكدة على منع التحدث مع العاملات أثناء تأدية مهامهم، وذكرت تعرض بعضهن لمضايقات من طرف بعض الزبونات “لكنها مرت بسلام”، كما أن المهمة تنتهي في يوم واحد لا أكثر.
أمّا الأسعار، فتنطلق من 15 ألف دج، ويتم تحديدها بحسب حالة البيت، إن كان مؤثثا أم انتهت به الأشغال أم فارغا، أو على حسب المساحة وعدد الغرف، وحسب نوعية الأثاث الموجود والتزيين.
أستاذة وصيدلية ومقاول ينخرطون في غسل الزرابي
جميعنا يعلم بأنّ غسل الزرابي أو السجاد المنزلي الكبير يشكل صعوبة لعديد العائلات ولهذا السبب قرّرت إحدى العائلات، استحداث نشاط الغسل الأوتوماتيكي للسجاد، بحيث تتم عملية الغسل والتجفيف آليا، ويتسلم الزبون حاجته مُغلفة في كيس بلاستيكي.
مشروع “زربية كلين ليدو” لمُسيرها محمد حماني، أما فكرتها فتعود لزوجته صفية شملال، التي تشغل منصب أستاذة جامعية بعلم النفس، أمّا المنفذة الرقمية للمشروع فهي ابنتهما يُسرى صاحبة الـ 20 عاما طالبة في الصيدلة.
تقول شملال في تصريح لـ “الشروق”، بأن فكرة المشروع، راودت العائلة بعد إفلاس تجارة زوجها خلال جائحة كورونا، بحيث كان يشتغل في صناعة الأكواب الورقية وهو ما جعلهم يفكرون في مشروع بديل، أكثر ضمانا ويعتمد على مواد أولية محلية، ويكون خدماتيا بدرجة أولى.
ولأن محدثتنا تُدرّس تخصص اختصاص علم العمل والتنظيم، فكرتْ في مشروع مؤسسة ناشئة، وقالت: “أنصح الشباب الجامعي بالتوجه نحو المؤسسات الناشئة، لأنها مستقبل الاقتصاد”.
المجتمع يميل نحو الرفاهية ويبحث عن خدمات نوعية
وذكرت المتحدثة، بأنها فكرت في مشروع يقدم خدمات للمرأة، خاصة في مجال تنظيف المفروشات الثقيلة، لأن 40 بالمائة من النساء والشابات عاملات، لا يجدن الوقت لتنظيف المفروشات، كما أن العملية مرهقة، ولا يوجد مكان لتجفيف السجاد والبطانيات بعد غسله في المنازل. ومحطات غسل السيارات المختصة في هذا النشاط، تجفف الزرابي في الخارج، ما يعرضه للأتربة والغبار ودخان السيارات، لتتبلور فكرة الغسل العصري والأوتوماتيكي لسجاد المنازل، مع استلام وتوصيل الزرابي مجانا للزبائن.
وتقول محدثتنا: “وجدنا في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، أمثل حل للتواصل مع زبائننا، إذ نستقبل جميع الطلبيات عبر الإنترنت”. وأضافت أنّه بعد 4 أيام فقط من إطلاق المشروع على الأنترنت، بدأ الزبائن في الاتصال بهم، إذ أنّ 90 بالمائة من زبائنهم كانوا عبر الرقمية. وقالت ” تأكدتُ بأن العائلة الجزائرية، متعطشة لمثل هذه المشاريع الخدماتية، وأن بيئة العمل لدينا خصبة جدا.”
المؤسّسات الناشئة.. هي المستقبل
ونصحت شملال، الشّباب الجزائري المتردد في ولوج المشاريع المصغرة، بـ “تجنب الخوف، والانطلاق في تحقيق أحلامه عن طريق المشاريع المقاولاتية والخدماتية، وخاصة الرقمية، ومن يريد النجاح عليه الخروج، مما يعتبره منطقة راحته والانطلاق في العمل” على حد تعبيرها. كما نصحت بدراسة أي مشروع يودون الانطلاق فيه، ودراسة مخاطره وإيجابياته.
وأرجعت المتحدثة، أسباب نجاح المشاريع الخدماتية، إلى بحث العائلة الجزائرية مؤخرا، عن الخدمة الجيدة، ولو بدفع مال إضافي، “فمجتمعنا أصبح يميل إلى الرفاهية” وما يشجع على خوض التجربة دعم المشاريع المصغرة ماديا من الدولة، ضمن حاضنات المشاريع ومؤسسات مالية مثل “أناد” و”كناك”، كما أن “منصات التواصل الاجتماعي أحدثت طفرة على الفرد، الذي وجب عليه الآن أن يعمل بالتكنولوجيا، سواء كان صاحب مؤسسة أو مطعم أو محل صغير”.