عرَق الكادحين قد يكون لعنة على الجاحدين
في واقعنا، ومن حولنا، نرى كثيرا من الكادحين الذين يسعون كل صباح لكسب لقمة الحلال؛ يخرج الواحد منهم من بيته في ساعات الصباح الأولى، في الوقت الذي يكون فيه كثير من الموظفين الذين يعملون في وظائف مريحة لا يزالون يغطون في نوم عميق، وفي ذات الوقت الذي يكون فيه شبابنا الذين ارتضوا لأنفسهم العطالة وأدمنوا البطالة في ساعات نومهم الأولى.. في هذه الساعات الباكرة المباركة، يخرج الكادحون لطلب لقمة الحلال؛ بينهم شباب غلبوا أنفسهم الأمارة بالسوء، وبينهم كهول يعيلون زوجات وأبناء وبنات ووالدين، وبينهم -كذلك- شيوخ عزائمُهم تربو على عزائم الشباب.. يخرج هؤلاء الكادحون الذين يسقون الأرض بعرقهم، ليطلبوا أرزاقهم كل يوم، من دون كلل أو ملل، وأكثرهم لا يشكو فقرا ولا حاجة، بل لا تكاد تسمع منهم غير عبارات الحمد لله والشكر والثناء على المنعم جلّ في علاه، وإن شكوا فإنما يشكون الظلم الذي يتعرضون له من الناس حولهم.
هؤلاء الكادحون الذين لعل بينهم كثيرا من الشعث الغبر الذين لو أقسموا على الله لأبرّهم، ولو دعوه لأجابهم، والذين يكسبون من الأجور والحسنات ما لا يكسبه كثير من البطالين، وكثير من الموظفين الذين يتأففون من وظائفهم ويتهاونون في أعمالهم، ويُغفر لهم من الذنوب والخطايا ما لا يغفر لغيرهم، فقد قيل: “إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، ولكن يكفرها الهمم في طلب المعيشة”.. هؤلاء الذين يدفع الله بهم العذاب عن الأمة، ولأجلهم ينزل الغيث من السّماء… هؤلاء الكادحون يتعرضون لظلم كبير في مجتمعنا وواقعنا.
الظّلم وقْعه ثقيل على النّفوس، وهو أشد ثقلا على نفوس الضّعفاء والكادحين الذين تتصبّب أجسادهم عرقا وتجفّ حلوقهم جَهدا وهم يسعون خلف لقمة العيش، ويخرج الواحد منهم كلّ صباح وهو يحمل من الهموم ما تنوء به الجبال؛ من مرض زوجة، وحاجة ولد، وفواتير أثقلت كاهله بأرقامها، وديون لا يستطيع سدادها لكثرتها، وبعد أن يسيل عرقه على الأرض، يقابله مسؤولٌ أو مقاول أو صاحب مال خلا قلبه من الرّحمة، يعامله بكبر ولا مبالاة، ويماطل في إعطائه أجرته، وربّما يحرمه حقّه في التّامين والعطل الأسبوعية والسّنوية، وفي كلّ مرّة يعده ويخلف الوعد، ويتعامل مع العامل المسكين كما لو كان متسوّلا يطلب الصّدقة والإحسان!
حرام ثم عيب أن ينعم الله على عبد من عباده ويوسع له في رزقه، ثم إذا بهذا العبد تنحدر به نفسه حتى يطمع في أرزاق الضعفاء والفقراء، ويتحايل ليأكل حقوقهم ويجحدها.. يأكل حق العامل الأجير، ويأكل حق صاحب المحل، ويأكل حق إخوته في البيت ويستأثر بالميراث، ويعتدي على حق جاره، ويسرق من الشارع والطريق العام ليوسع بيته أو دكانه!!! وكأنه سيبقى في هذه الدنيا خالدا مخلدا.
يروي الشاعر العربي المعروف أبو الطيب المتنبي قصّة امرأة مسكينة كادحة تعرّضت للظّلم على يد غنيّ لا يخاف الله، فيقول: رأيت بأحد الأسواق رجلا يرتدي ملابس غالية الثمن تدل على الغنى الفاحش، قال لامرأة مسكينة تبيع سمكا: بكم رطل السمك؟ قالت: بخمسة دراهم يا سيدي. قال لها بتكبر: بل بدرهم للرطل الواحد، فقالت له باستعطاف: أنا امرأة فقيرة، والسمك ليس لي بل لرجل أبيعه له فيعطيني ما قسم الله لي، فقال الرجل الغني باستعلاء: بل بدرهم ليس أكثر، فقالت المرأة بقلة حيلة: بل بخمسة دراهم، فقال الرجل الغني وهو يشير باستخفاف: زني لي عشرة أرطال. فأعدت له المسكينة عشرة أرطال من السمك على أمل أن تحظى بالثمن كاملا، فأخذها الرجل منها بقسوة ورمى عليها عشرة دراهم وذهب مسرعا، فنزلت دموع المسكينة وأخذت تنادي عليه فلم يجب. فناديت عليه بنفسي فلم يجب، لقد كان ذئباً في غناه وبخله ولؤمه، وكانت نملة في ضعفها وفقرها، وأنشدت أقول:
بعيني رأيت ذئباً يحلب نملة * ويشرب منها رائق اللبن.