عسْكرة الدين!
من أخطر الظواهر التي تشوِّه الدين وتضع الحجب بين الناس والانفتاح عليه، أو الدخول فيه هو ما يمكن أن نطلق عليه (عسكرة الدين)، فالدين في الأصل يلج إلى العقول عن طريق الحجة والبرهان، ويلج إلى القلوب عن طريق المحبة والسلام، ويلج إلى الحياة جميعا عبر ما يضعه من مناهج تربط الجسد بالروح، والدنيا بالآخرة، والفرد بالمجتمع.. ليعم السلام بين هذه جميعا.
لكن عند النظر في الواقع الدعوي الإسلامي نجد الأمر على النقيض.. فالكثير من الدعاة لا يشعر بالراحة وهو يمارس عمله الدعوي إلا إذا قص على جمهوره قصص الأبطال من أصحاب السيوف المهنَّدة، وكيف استطاعوا أن يقطعوا رقاب أعدائهم، ويسْبوا نساءهم وأطفالهم، ويغنموا المغانم الكثيرة من أموالهم.. وكيف استطاعوا ـ بعد ذلك وقبله ـ أن يذيقوهم كل ألوان الذل والهوان.
وقد سمعت بعضهم، وهو يتحدث بلهجة حماسية شديدة، ويقول: (لقد كان البحر المتوسط في يوم من الأيام بحيرة إسلامية.. وخلال الحكم العثماني كانت سفن المسلمين تمرّ أمام الموانئ الأوربية، فتتوقف الكنائس عن دق أجراسها خوفا من استفزاز المسلمين فيقوموا بفتح هذه المدينة!!).
وسمعت بعضهم.. وهو في أوروبا يتحدث عن أمجاد سليمان القانوني الحربية، وكان من ضمن ما قاله في خطبته: (والله يا إخوة أصابني الكمد والحزن والغمّ والهمّ كلما سألت أحد الشباب عن موهاكس أو عن السلطان سليمان، ولا يكاد يعرف شيئا.. يروي المؤرخون الأوروبيون هذه المعركة بشيء من الذهول، وعندما يصلون إلى هذه النقطة تصيبهم الدهشة والعجب.. يا إخوة يُروى أن مدافع المسلمين أُطلقت بسرعة ومهارة فائقة للغاية وكأن المسلمين استعانوا بالجن في هذا الأمر، ولا عجب أن تكون هذه حال من استعان بالله واستمد قوته من منه.. كان إطلاق المدافع بصورة سريعة جدا وبدقة كبيرة مما أصاب الجيش المجري بحالة من الذهول والهلع والرعب، فولوا أدبارهم، والمسلمون وراءهم يركبون أذنابهم ويضعون سيوفهم فيهم كما أرادوا.. وفرّ المجريون المعروفون ببسالتهم وضراورتهم أمام طلقات المسلمين وسيوفهم.. وفرّ ملكهم لويس الثاني.. بل إنه غرق أثناء فراره ومات.. وانتصر المسلمون انتصارا لم يُسمع بمثله في أقطار الدنيا.. وكان نصراً مؤزرا.. ولله الحمد والمنة.. والعجيب يا إخوة أن مدة المعركة كانت ساعة ونصفا فقط.. وكان قتلى المسلمين لم يتجاوز 150 شهيد.. وعدد ما أسر المسلمون من الكفار 25 ألفاً.. والباقي 175 ألف ما بين قتيل وجريح!!).
كان هذا الخطاب في أوروبا.. وكان فيها ولا يزال من ينادون بالدخول إلى إسبانيا بالسيوف لاستعادتها.. ومنهم من ينادي بإحياء معركة “لبواتيي” وغيرها من المعارك..
اشتهر قبل فترة قصيرة شريط مسجل للحويني على اليوتيوب يذكر فيه أن أهم أسباب الحالة الاقتصادية السيئة للمسلمين هو أنهم لا يغزون ليسلبوا وينهبوا خيرات الشعوب.. ودعا فيه إلى العودة إلى نظام الرق والاستعباد، واتخاذ الجواري والسبايا، باعتباره حلا للمشاكل الاقتصادية ودواء للفقر!
وإذا ذهبنا إلى شعار أكبر حركة إسلامية في العصر الحديث نجد سيفين كبيرين، وتحتهما عبارة [وأعدّوا]، وفوقهما مصحف.. وكأن المصحف لا تحميه إلا السيوف، والإعداد لا يكون إلا بالجهاد.
وكل هذه الممارسات بعيدة تماما عن الفهم الحقيقي للعمل الدعوي.. فالداعية إلى الله يستقي تصوراته من القرآن الكريم، لا من كتب التاريخ.. ويستمدّ هديه وقدوته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من غيره من الناس.
ومن العجب أن الكثير من الدعاة يردد بحماسة ما كتبه هارون الرشيد لنقفور إمبراطور الدولة البيزنطية، وقوله له في رسالته: (من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام).
وينسون أن يرددوا رسالته صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم، وقوله له: (بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. {قُل يَا أَهْلَ الْكِتَاب تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
وينسون قبلها قوله تعالى وهو يخاطب موسى وأخاه عندما أمرهما بالذهاب إلى فرعون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44].