-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عصر التفاهة! (1)

سلطان بركاني
  • 949
  • 0
عصر التفاهة! (1)

لعلّ من أفتك الفتن التي أركس فيها كثير من المسلمين في هذا الزّمان، فتنة “التفاهة” التي عمّت جلّ الشّباب والفتيات وحتى الكهول والشيوخ، خاصّة مع إدمان اللغو والتوسع في استعمال مواقع التواصل الاجتماعي.. حتى صرنا نرى في واقعنا مصداق ما أنذر به النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- حينما قال: “يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها”، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال: “لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموت” (صحيح الجامع).
الانقياد للتفاهة يعني أن نعطي القيمة لما لا قيمة له، ونعلي مَن حقه أن يكون مغمورا، ونهمل ما حقه أن يكون مهمّا، ونسقط مَن حقّه أن يكون عاليا.. وقد كانت في عهد التلفاز وأيام المسلسلات والأفلام والسكاتشات والفيديوكليبات تجارة رائجة، وتحوّلت في أيامنا هذه إلى فتنة ماحقة.. أصبح شبابنا ينفرون من كلّ عمل جديّ ينفعهم في دنياهم وأخراهم، ويحرقون أوقاتهم في تتبع مقاطع الضّحك والإثارة ومتابعة المشاهير من الجهلة والمستهبلين.. تلقي نظرة على مجموعات الفايسبوك وتتصفح النقاشات التي تثار فيها فيتملكك الخوف على مستقبل شباب هذه الأمّة، وأنت تقف كمّ التفاهة الذي يعشعش في قلوب شبابنا ويسترعي اهتمامهم ويأخذ أوقاتهم.. الأمّة تذبح من الوريد إلى الوريد، وشبابنا يخوضون نقاشات تافهة بعبارات مبتذلة، ويتداعون للتفاعل وإظهار الإعجاب ومتابعة التفاهات المحرقة للأوقات والأعمار!
في زمن العزّ، كان رجال الأمّة يتربّون على علوّ الهمم ويُنشّؤون على التعلّق بمعالي الأمور واجتناب سفاسفها، وكان شباب الأمّة يتنافسون في مواقف العزّ والشرف، ويرنون إلى كتابة أسمائهم في سجل الأبطال. كانوا يتمثّلون قول الله –تعالى-: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون))، وقوله –سبحانه- لنبيّه يحيى –عليه السّلام-: ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))، ويستنيرون بقول النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم -: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ و أَشرافَها، و يَكرَهُ سَفْسافَها”.
كانوا يمزحون ويضحكون، لكنّهم ما كانوا يجعلون الضحك والمزاح ديدنا، بل كان في أيامهم كالملح في الطّعام، أمّا إذا دعا داعي الفلاح فلا تراهم إلا أسودا واثبة.
كان أطفال الصّحابة في أوّل الغزوات التي خاضها النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – يتنافسون في الانضمام إلى صفوف الجهاد، وكان الواحد منهم يقف على أصابع قدميه حتى يبدو رجلا ويسمح له بالمشاركة في القتال، وربّما يبكي إذا رُدّ عن الصفوف لصغر سنّه.
فهذا مثلا عبد الله بن عمر بن الخطّاب –رضي الله عنهما- ثاني أكثر الصحابة رواية لحديث النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام-، كان عمره في غزوة أحُد 13 سنة، تقدّم ليشارك في الغزوة، لكنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- ردّه، فظلّ ينتظر على أحرّ من الجمر حتى كانت غزوة الخندق وبلغ من العمر 15 سنة، وحقّق أمنيته في حمل السلاح للدّفاع عن مدينة النبيّ – عليه الصّلاة والسّلام -.
زيد بن ثابت -رضي الله عـنه- كاتب الوحي وشيخ المقرئين ومفتي المدينة، عندما هاجر النبي -صلى الـله عليه وسلم- إلى المدينة كان عمر زيد 12 سنة، أراد أن يشارك في غزوة بدر ولم يتجاوز من عمره 13 سنة، فاستصغره النبي -صلى الله عـليه وسلم فردَّه-، وفي غزوة أُحُد، كان عمره 14 سنة، أراد أن يشارك، فردّه النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- مرّة أخرى، حتى كانت غزوة الخندق وبلغ من العمر 16 سنة، فأذن له بالمشاركة.
عُمير بن أبي وقاص – أخو سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهما- أراد أن يشهد غزوة بدر، وكان عمره 14 سنة، فردَّه النبي – صلى الله عـليه وسلم – واستصغره، فذهب يبكي فَرَقَّ له الحبيب – عليه الصّلاة والسّلام – فأجازه، فقاتل في بدر حتى حظي بالشهادة.
رافع بن خديج، وسمرة بن جندب، كانا شابين صديقين يتنافسان في الرجولة، فلما كانت غزوة أُحُد ردَّهما النبي -صلى الله علـيه وسلم- وهما ابنا خمس 15 سنة، فقيل: يا رسول الله، إن رافعًا رامٍ، فأجازه النبي – صلـى الله عليه وسلم-، فجاء سمرة إلى النبي – عليه الصّلاة والسّلام – وقال: “يا رسول الله، أجزت رافعًا ولم تجزني، ولو صرعتُ رافعًا لصرعته”، فأجازه النبي – صلـى الله عليه وسلم -.
هكذا كان شباب الأمّة يُربّون ويهيّؤون للمواقف الجليلة، ولكنّ كثيرا من شبابنا في هذا الزّمان يسمعون بإخوانهم المسلمين يذبحون في فلسطين ويموت أطفالهم جوعا وبردا، والواحد منهم (أي من شبابنا) لا يتزحزح عن همومه واهتماماته الصغيرة، لا همّ له إلا أن يُضحك فلانا ويَدخل في نقاش تافه مع علانة، وينافس في مشاركة التفاهات، وفي إيقاع الغافلات في حبائله.
عندما تبحث عن أكثر الصفحات استقطابا للمتابعين على مواقع التواصل الاجتماعيّ، تجد أنّ أغلبها صفحات تنشر التفاهة وتثير النقاشات التافهة وتلهث خلف الإشاعات والأخبار غير الموثوقة، وتفتح باب التعليق لكلّ من هبّ ودبّ ليعبّر عن جهالاته! وعندما تبحث عن أكثر المقاطع انتشارا تجدها مقاطع تافهة إلا قليلا، ينشرها مؤثّرون لا علم لهم ولا دين ولا خلاق.. بل حتى المواضيع والمقاطع التي تتعلّق بالدّين، والتي تحقق مشاهدات قياسية، هي تلك التي تضادّ حقائق الدّين، أو تلك التي تطوّع الدّين للأهواء والنزوات، أو تلك التي تعرض نسخا من التديّن مغشوشة تشغل النّاس بالمسائل الفرعية الهامشية وتضخّمها على حساب المسائل الأصلية المهمّة التي تتعلّق بصراع الأمّة مع أعدائها.
لقد أخرجت لنا التفاهة جيلا لا يحمل فكرة ولا مبدءًا ولا يهتمّ بحرية أو عدل، ولا يعنيه أن تعزّ أمّته ويكون بلده متفوقا علميا وتعليميا، إنما يهمه أن ينتصر فريقه، وينتصر هو في لعبة البوبحي، أو كلاش أو كلانس، أو غيرهما من الألعاب!
بسبب انتشار التفاهة، تخلى كثير من شبابنا عن رسالتهم في الحياة، وما عاد يهمّهم أن ينجوا وينجحوا في آخرتهم.. المهمّ بالنّسبة إليهم أن يحصّلوا لذات الساعة واللحظة، شعارهم “أحيِني اليوم، واقتلني غدا”!.. وشيئا فشيئا حتى وصل بعضهم إلى مشارف الإلحاد، يرى بلسان حاله أنّ الدّين والآخرة والخير والشرّ أمور ميتافيزيقية لا تجلب له سعادة يومه!
أصبح الشاب الجادّ الذي يهتم بما ينفعه ويحرص على استغلال وقته، وعلى نشر الخير والنّفع، محل سخرية بين أقرانه، وأضحى يوصف بأنّه ثقيل و”صامط”، ويصنّف على أنّه غريب في زمانه لا يعيش عصره؛ فالعصر بالنّسبة لكثير من الشّباب هو عصر الانفتاح الذي لا حدود له، والمتعة التي لا ضوابط لها ولا يعكّر صفوها حرام ولا ممنوع!
عصر لا يعرف للخالق وقارا ولا يحسب حسابا لنظره واطّلاعه وغضبه وسخطه، ولا يعرف قدرا لكلامه، فهو كلام قابل للأخذ والردّ والمناقشة! ولا يعرف لأنبياء الله ورسله مقاما، فهم بشر قد يصبح كلامهم شيئا من الماضي! كل شيء في عصر التفاهة قابل للنقاش والنفي والإثبات، ولكل وجهة نظره التي يجب أن تحترم ولو كانت جهالات لا قيمة لها!
في عصر التفاهة يتطاول الجهلة والتافهون وضحايا التسرّب المدرسي على العلماء الربانيين، ويسخر الإعلاميون الجاهلون من المصلحين والمفكرين والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر.. في عصر التفاهة لم يعد للعفاف قيمة، بل أصبح لصيقا بالتخلف والرجعية، وأصبح العري والخنا والابتذال أمارات للثقافة والانفتاح! في عصر التفاهة لم يعد النجاح والتفوق منوطين بالتعب في تحصيل العلم وبخوض التجارب، إنّما أصبحا منوطين بالشهرة ولو كانت بالفن الهابط والتصرفات الرعناء الخرقاء ونشر الخصوصيات!
يتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!