الرأي

عصر التفاهة! (2)

سلطان بركاني
  • 1170
  • 1

من أسباب انتشار “التفاهة” في هذا العصر أنّ أمر العالم وسّد إلى غير أهله، وأمسى قيادُه بأيدٍ لا تريد بالبشرية خيرا، فهي تريد للبشر أن ينحدروا في دركات الحمق والتفاهة ودنوّ الهمم، لتسهل قيادتهم واستعبادهم، ويكفي من أراد الوقوف على هذه الحقيقة أن يقرأ كتاب “نظام التفاهة” لكاتبه الفيلسوف الكندي “آلن دونو”، الذي نشر سنة 2015م.

التافهون الذين يقودون هذا العالم، يُغرقون البشر في التفاهة لتسهر قيادتهم خلف المسيح الدجال المنتظر، ومن يرى اتساع نطاق التفاهة في هذا العالم يدرك أنّ مهمّة “المسيخ” أمست غاية في السهولة.

وهؤلاء هم سبب بلاء العالم عامّة، وسبب بلاء الأمّة خاصّة، كيف لا وقد أغرقوا أجيالا من أمّة الرسالة في التفاهة والمخدّرات والعلاقات العاطفية، وخنّثوا الشّباب، وعروا النّساء وكشفوا عنهنّ لباس الوقار والحياء، ونشروا السّخافة في السياسة والثقافة والتعليم، وحتى التدين روجوا لنسخ مشوهة منه تدعو إلى مهادنة الاستعمار والرضا بالدون والدنية… كلّ هذا حتى يرضى عنهم النظام العالمي، وتقدّم لهم المنظّمات الدولية شهادات حسن السيرة والسّلوك!

ومن أسباب انتشار التفاهة، كذلك، أنّ المال أصبح في أيدي السفهاء واللكعاء والتافهين –إلا من رحم الله- الذين فاقوا قارون في سفاهته، وملكوا القنوات واستمالوا أهل الفنّ والطّرب، وسخّروا أموالهم في نشر الرذائل وحرب الفضائل وشراء الذمم، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أسْعَد الناسِ بالدُنيا لَكِعٌ ابن لَكِعٍ” (الترمذي).

ومن أسباب انتشار التفاهة، أيضا، سيطرة التافهين على وسائل الإعلام، وتسخيرهم لها في نشر التفاهة والميوعة وكسر الطابوهات وتزيين المحرّمات والاستهزاء بالشعائر والواجبات، وفي حرب المصلحين وتشويههم وتلميع التافهين والإشهار لهم، يقول النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام-: “سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَة”. قيل: وما الرّويبضة؟ قال: “الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ”، وفي رواية: “الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ” (صحيح الجامع).

نحن الآن –مثلا- نسخر من مجموعة “آم. بي. سي”، لكنّنا لا ندري أنّ كثيرا من الأفكار التي تنتشر في واقعنا وتصبغ حياتنا وتؤثّر في اختياراتنا، هي من نتاج المسلسلات والأفلام التي كانت تبثّها هذه المجموعة على مدار عقود من الزّمان.

وسائل الإعلام إلا قليل منها، إضافة إلى ترويجها للتافهين والتفاهات؛ قدّمت للأمّة مثقّفين مزيّفين حرّفوا وعي النّاس وزعزعوا أولوياتهم وألهوهم عن معارك أمتهم وغيّبوا عنهم رموزهم وقدواتهم.. فأصبحنا نسمع في وسائل الإعلام ألقابا فخمة ولا نسمع من أصحابها إلا لغوا يصمّ الآذان ويدعو إلى الغثيان.. تسمع عن الإعلامي فلان، لكنّك لا تراه إلا وهو يخوض في مواضيع تزيد المجتمع وهنا على وهن، ويقدّم لك المفكّر فلان فلا تسمع منه إلا هذرا لا طائل فيه، بل قد تسمعه وهو يشكّك في حقائق الدّين بشبه أوهى من خيوط العنكبوت، وتسمعه وهو يروّج للمقالات السوفسطائية اليونانية القديمة ويلبسها لباس ما بعد الحداثة، فيقول لك مثلا: “ليست هناك حقيقة مطلقة! لا أحد يملك الحقيقة المطلقة! ما تراه أنت حقيقة قد لا يراه غيرك كذلك”، ويعلّمك أن تحترم كلّ القناعات ولو كانت تخالف الدّين والعلم والعقل! وبسبب هؤلاء السوفسطائيين الجدد أصبحنا نسمع مِن شبابنا مَن تحدّثه عن شيء محرّم بالإجماع فيقول لك: “أنا لستُ مقتنعا بهذا”! أو تحدّث الفتاة بالحجاب فتقول لك: “الحجاب قناعة شخصية”!

وسائل الإعلام التي يسيطر النظام العالمي على أغلب البرامج التي تبثها، جعلت الأطفال والنساء على رأس أهدافها، وكانت البرامج الموجّهة إلى الأطفال –خاصّة- تهدف إلى إخراج جيل رخو لا يشغله إلا الضحك والمشاغبة واللجوء إلى الكذب والغش والتحايل للوصول إلى أهدافه التافهة، وهذا هو المدار الأهمّ للرسوم المتحرّكة إلا قليل منها، وحتى الألعاب الإلكترونية التي امتلأت بها الهواتف الذكية، فهي تعلم الشباب الخطف والسرقة وعصيان الأهل وضرب الناس وتدمير المحيط بكلّ ما فيه، وتغريهم بالانتصار في معارك وهمية تعتمد على المبالغات وعلى الأبطال الخارقين، مثل لعبة بوبجي.

أمّا البرامج الموجّهة إلى النّساء، فهي تركّز على المظاهر والسلع وتجعلها الهدف الأهمّ للمرأة، وتغري المرأة بإضرام المعارك مع زوجها ومع أبيها وأخيها وحتى مع من تسمّيهم “رجال الدّين” لتكون حرّة في اختياراتها وتثبت ذاتها وتفرض نفسها.

ومن أسباب انتشار التفاهة –كذلك-: الحروب والأزمات! فأصحاب الهمم الصغيرة عندما يُعاينون الحروب والمآسي، ويرون أنّهم لا يستطيعون فعل شيء، يفرّون إلى التفاهة ليعفوا أنفسهم من أيّ مسؤولية، يقول الفيلسوف الألماني “إريك فروم”: “كلما زادت الحروب والنزاعات، انشغل الناس بالتفاهة أكثر، لأنّهم يشعرون بلا حول ولا قوة وسط تلك الصراعات”.. وهذا ما نراه واقعا في أمّة الإسلام في خضمّ الحروب الظّالمة التي أعلنت على الأمّة، فكثير من شباب الأمّة زاد إقبالهم على التفاهة، في وقت يفترض فيهم أن يثوبوا فيه إلى رشدهم وهم يرون إخوانهم تقطّع أشلاؤهم ويجوّع أبناؤهم وتروّع نساؤهم!

هكذا نواجه التّفاهة

نحن المؤمنين نوقن بأنّ العاقبة للتقوى وأنّه في النهاية لن يبقى إلا النافع، يقول الله تعالى: ((فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع النّاس فيمكث في الأرض)). لكن من واجبنا أن نقدّم الأسباب وننتخي لمواجهة التفاهة التي تغرق أبناءنا وشبابنا وفتياتنا في هذا الزّمان العصيب. من واجبنا أن نقدّم الأسباب ونجدّ ونجتهد ونتعب لننقذ أبناءنا من حبائل الموطّئين للدجّال.

واجب محتّم علينا أن نساهم في محاربة التفاهة ومحاصرتها ومقاطعتها، وواجب علينا أن نعيد التافهين إلى دركاتهم التي يستحقونها ولا نعطيهم أدنى أهمية. بل ينبغي الشفقة عليهم ونصحهم بالتي هي أحسن لعلهم يرجعون ويتفطنون.. في أمريكا ودول أوروبا تنتشر لوحات إرشادية تقول: “توقفوا عن جعل الأغبياء مشاهير”.. وفي الدول الغربية، هناك إقبال واسع على إنتاج برامج متخصصة في استضافة العلماء والمبدعين في مختلف التخصّصات، ومثل هذه البرامج يشهر لها وتشارَك ويُدل عليها لتكون بديلا للتفاهة.. ونحن أولى بهذا وبما هو أكبر منه.. واجب علينا أن نزاحم التفاهة بالمواضيع الجادّة.. والصفحات والقنوات النافعة على مواقع التواصل كثيرة ووفيرة ولله الحمد، ولكنّها تحتاج إلى من يقدّمها ويُشهر لها.

واجب علينا أن نربي أبناءنا على أن الجدية هي الأصل في حياتهم، وهي التي ينبغي أن تأخذ أكثر أوقاتهم. ((يا يحيى خذ الكتاب بقوة))، وأن نجعل الآخرة محور تفكيرهم ومنتهى آمالهم، وأن نحفّظهم هذا الحديث كما نحفّظهم الفاتحة: يقول النبيّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: “اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك” (الحاكم في مستدركه).

مقالات ذات صلة