عقاب الجريمة و.. جريمة العقاب
العقوبات العالمية التي صارت تُفرض على بعض دول العالم “المارقة” في معيار الغرب وأمريكا بشكل خاص، صارت رأس الحربة في كل صراع من أجل التمدد والهيمنة. الجريمة تكون أحيانا مبررة بمنطق الغالب القوي وغير مبررة على الإطلاق من طرف الضعيف المُستكين الذي يرفض أن يسقط أو أن يهان.
هكذا، رأينا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع الثنائية القطبية، تعايشا باردا، وحربا سلمية، سمِّي بـ”التعايش السلمي” و”الحرب الباردة”، لكن العقوبات الاقتصادية بدت وكأنها تتسع مع اتساع الهيمنة الاقتصادية الأمريكية مع بداية التسعينيات عندما لاحظت أمريكا أن سياسة الاحتواء المزدوج، الاقتصادي والسياسي للدول “غير الودية” والمنافِسة لها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، أتت أكلها فخلا لها الجو لتصبح القوة العظمى الوحيدة المهيمنة: الإمبراطورية التي لا تغيب عنها شمسٌ ولا قمر.. أو هكذا بدا لها عندما قال بوش الأب منتشيا بعد انهيار جدار برلين: انتهت الحرب الباردة بانتصار أمريكا.
صار هذا الوهم، معتقدا لدى ساسة الغرب في أمريكا. غير أن روسيا الوارثة لجزء من الاتحاد السوفيتي السابق، لن تقبل مستقبلا بأيِّ مهانة وبإجبارها على الدخول في حلف الناتو كما كان يرغب الغرب، بعد تجريدها من كل نزعة منافِسة ومعادية لأمريكا.
بدت لها “جريمة” عدم الخضوع المطلق، تستحق عقاب الإخضاع والاحتواء بالمطلق، فكانت أن عملت على نهش أجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق وإدخال بعض منه في سوق الغرب والحلف الأطلسي في انتظار مرشحين آخرين.. تشترط فيهم شروط الولاء والطاعة والذوبان الطوعي والكلي في القيم الغربية الرأسمالية. هذا لم يحدث مع تركيا التي قُبلت في الحلف الأطلسي ولم تُقبل في الاتحاد الأوربي: نريد جيشك لا دينَك، فعقيدتها وشعبها وتاريخها لا يلبِّي شروط القبول: الإسلام جزءٌ من هذه المعادلة الشرطية. لن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي وأنت مسلم العقيدة.. هذه قاعدة، يبدو أن أردوغان فهم ذلك أكثر منا.. لأن تركيا لم تُقبل في الاتحاد الأوروبي حتى على علمانيتها أيام حكم العسكر الأتاتوركيين، فهم كانوا يعلمون أن حكم العسكر حكمٌ مقبول عندهم، لكنه ديمقراطيًّا قد لا يقاوم المد الشعبي المناهض للديكتاتورية.. شعبٌ مسلم في أغلبه حتى ولو كان بعضهم غير متدين.
العقوبات على العراق، أسقطت بغداد ونظام بغداد.. أُضعِف النظام اقتصاديا وعسكريا وسياسيا قبل أن يُجهَز عليه عسكريا. الأمرُ ذاته حدث في دول أخرى ومنها ليبيا، وهذا بعد أن جُرِّدت من مشروع نووي في المهد، بعد ذلك سهُل عليهم تحطيمُها كدولة. إيران جاءت بعد الحرب على العراق ونُفذت في حقها عقوباتٌ خانقة: الهدف هو إضعافها قبل إسقاطها لاحقا، والتهمة جاهزة: النيّة في النووي، فالأعمال بالنواة عندهم.. بالنيات. كل الدول التي تملّكت أو رغبت في تملّك مشروع نووي، أسقِطت، فقط بيونغ يونغ التي طورت وجربت النووي، لم يسقطها أحد إلى اليوم رغم الحصار.. فالحصار هو مجرد مقدمة وتحضير لاستعمال القوة إن لزم الأمر. لكن البلد النووي لا يمكن استعمال القوة معه فيُترك يختنق تحت العقوبات حتى يسقط من تلقاء نفسه. وهذا ما يحدث اليوم مع روسيا: عقوباتٌ صارمة لم يسبق لها مثيل، دفعت البعض ومنهم مادورو للقول مؤخرا إن “الحرب العالمية الثالثة قامت فعلا”.
كثيرٌ من المنظرين يعتقدون أن الاستمرار في هذا النهج من التصعيد يوصل حتما إلى المجابهة. عراق صدام كان يقول “قطع الأرزاق من قطع الأعناق”، ولا نتصور أن روسيا بحجمها الاقتصادي والعسكري يمكنها أن تقبل بأن تُخنق. إنها اليوم تعتبر هذه العقوبات غير المسبوقة “حربا اقتصادية” دولية معلنة، مما يعني أنه إذا استمرّ الخنق، فلا نتصور أن روسيا عند حالة اليأس من الحياة، يمكنها القبول بالشهادة.. ولن يكون ردّها الحتمي إلا اللجوء مرة أخرى للسلاح الاستراتيجي الردعي، فالحروب عادة ما تبدأ في التدرُّج لتصل إلى الذروة.. ذروة قد تكون ذَرِّية.. لا أحد ينتصر فيها.