الرأي

عقبات في طريق الاستقامة والتديّن

سلطان بركاني
  • 555
  • 0

ما منا -معشر المسلمين- من أحد إلا وهو يرجو ويتمنّى أن يعيش حياته ديّنا مستقيما على طاعة الله، يُصلح ما بينه وبين الله وما بينه وبين عباد الله، ويكون همّه الأكبر أن يرضى عنه مولاه ويدخله جنّته ودار كرامته.. يحافظ على صلاته في وقتها ويداوم على تلاوة وحفظ كلام ربّه، ويتصدّق ولو بالقليل من القليل، ويبرّ بوالديه ويصل أرحامه ويحسن إلى جيرانه، ويطهّر قلبه من كلّ حقد وبغضاء وحسد لعباد الله المؤمنين. لا يغلق عينيه في آخر كلّ يوم حتى يسامح إخوانه المسلمين ويدعو لهم، وحتى يتوب إلى الله من كلّ ذنب وكلّ غفلة وكلّ تقصير.. يستعدّ للموت ويتحسب للقاء الله في كلّ يوم. حاله على ما أوصى به النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- عبد الله بن عمر حينما قال له: “كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل”.
كلّنا نتمنّى أن نكون على هذه الحال، لكنّنا -مع كلّ أسف- نعيش حياتنا بين التأجيل والتسويف، أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر وعاما بعد عام.. بل إنّ منّا من يريد أن يكون ديّنا، ولكنّه يقطع التفكير في الأمر لأنّه يخاف من التديّن، يخاف من نظرة المجتمع ومن كلام الناس، أو ربّما يظنّ أنّ “التديّن” وقته آخر العمر!
التديّن جنّة في الدّنيا والآخرة، لذلك فهو ثقيل على النّفس الأمّارة بالسّوء، وشياطينُ الإنس والجنّ يجعلون في طريقه عقبات كؤودا، حتى يستسلم كلّ من يحدّث به نفسه وييأس ويعيش حياته عبدا للدنيا وشهواتها.

العقبة الأولى في طريق التديّن: طول الأمل!
أوّل وأخطر عقبة ينصبها الشيطان في طريق كلّ من يريد الاستقامة ولزوم التديّن، هي طول الأمل، وهو أن يقنع العبد نفسه بأنّه سيعيش عمرا طويلا يتمكّن في آخره من التوبة والاستقامة ليلقى الله على خير حال ويدخل الجنّة.. والعبد كلّما فكّر في الاستقامة والتديّن، جاءه الشيطان ليقول له: “لا تستعجل يا هذا! أمامك عمر طويل، والتديّن سيحرمك نصيبك من الدّنيا، وسيجعلك لا تستمتع بعمرك وحياتك كما يفعل الشّباب والنّاس من حولك”.. لقد حدّثنا النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- أنّ “الشّيطان يعقد على قافية رأس أحدنا إذا هو نام ثلاث عُقد يضرب كلّ عقدة ويقول: عليك ليل طويل فارقد”، وهذا الذي يفعله الشّيطان مع العبد إذا أراد أن ينام، يفعله معه في كلّ وقت إن هو أراد أن يتوب ويتديّن ويستقيم، يقول له: “أمامك عمر طويل، فعش أيامك واستمتع بحياتك”! والعبد إذا طال أمله فسد عمله.. لذلك فلا فلاح للعبد ولا استقامة له ولا نجاح إلا إذا هو ذبح طول الأمل في نفسه؛ بأن يقنع نفسه بأنّه ضيف في هذه الدّنيا، وأنّ موعد رحيله عنها قد يكون أقرب ممّا يظنّ، ويعظ قلبه بأحوال الشّباب الذين يتخطّفهم الموت في حوادث المرور وبالسكتات القلبية والأمراض المفاجئة. ويزجر نفسه بحقيقة أنّ المقابر مليئة بأناس من الشّباب اليافعين والفتيات اليافعات الذين يعضّون أصابع النّدم ويطلقون الحسرات ويبثّون النّدامات، لأنّهم كانوا مثله يؤجّلون ويؤخّرون ويسوّفون.. والعبد المؤمن إذا وقف على القبور ذكّر نفسه بأنّ أكثر ساكنيها لم يتمّوا مشاريعهم في الدّنيا، ولم يشبعوا أبد من شهواتها، وكثير منهم رحلوا وتركوا خلفهم فوضًى عارمة لم يصلحها لهم ابن ولا أخ ولا صديق! مشاريع الدّنيا لا تنتهي، ومن لم يلجم نفسه ويفطمها فلن تشبع من الدّنيا ولو كان في عمر التّسعين.

العقبة الثانية: سوء الظنّ بالله
سوء الظنّ الذي يحرم العبد سلوك طريق التديّن، هو أن يظنّ أنّ الاستقامة ستحرمه نصيبه من الدّنيا، وأنّ التديّن سيفوّت عليه فرصا وحظوظا كثيرة ينالها المتنافسون والمتزاحمون.. وهذا ظنّ سيّئ بالله القائل: ((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى))، والقائل –سبحانه-: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).

التديّن سعادة غامرة، تجعل العبد يستمتع بالحلال ويملأ به عينه فلا يتطلّع إلى الحرام، بل يرى الحرام إهانة للنفس ونزولا بها إلى درك البهائم.. العبد المتديّن يتعفّف ويترفّع عن عبادة شهوة بطنه وفرجه.. العبد المتديّن له شهوة مثله مثل كلّ النّاس، لكنّه لا يجري خلفها، بل يضبطها بشرع الله ويقضيها بما أباح الله، وهو يحمل في نفسه يقينا أنّه لا يوجد شيء في الحرام إلا وله بديل في الحلال أهنأ وأطيب وأمرأ. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون)).

العقبة الثالثة: تشويه صورة المتديّنين!
قبل عقود قليلة، كانت وسائل الإعلام التي يتحكّم في يدير دفّتها العلمانيون هي من تؤدّي الدّور الأخطر في تشويه صورة المتديّنين؛ حين كانت تصوّر الرّجل المتديّن في أفلامها ومسلسلاتها التي تبثها رجلا منافقا يُظهر خلاف ما يبطن، رجلا سيّئ الخلق مع والديه وإخوته وأخواته وجيرانه. وتصوّر المرأة التي تلبس الحجاب الشرعيّ في صورة المرأة المخادعة التي تتستّر بالحجاب لترتكب الموبقات.. كما تصوّر الأفلام والمسلسلات التديّن على أنّه شغل لا يعنى به غير كبار السنّ من الشيوخ والعجائز الذين ملّتهم الحياة، أمّا الشّباب فمكانهم دائما في الملاهي وأماكن العبث، لا همّ لهم إلا التعبّد لصنم الحبّ.
هذا ما كانت تنشره المسلسلات والأفلام قبل عقود، أمّا في زماننا هذا فإنّ كثيرا من وسائل التواصل الاجتماعيّ قد أخذت الراية من وسائل الإعلام وحلّت محلّها.. وصار المشرفون على المجموعات من طالبي الإثارة المسارعين إلى نشر الأخبار والإشاعات لكسب الإعجابات والتفاعلات؛ هؤلاء الذين يستهويهم أن ينشروا ما تهواه الأنفس العليلة التي تنفر من الالتزام والاستقامة والتديّن، وما تفضّله الأنفس المريضة التي تفرح بأخطاء المتديّنين لتجعل منها متكأ لتقصيرها، وكأنّ هذه الأنفس تتسلّى بالقول: “إذا كان المتديّنون يفعلون هذا، فلا حرج علينا أن نفعل ما نشاء”!
ومثالا لهذه الظاهرة: لعلّنا لاحظنا في الآونة الأخيرة انتشار فيديوهات كثيرة لنساء يلبسن الحجاب والنقاب يسرقن المحلاّت التجارية، وهي الفيديوهات التي استثمرت فيها الصفحات العلمانية، واستغلّها دعاة الإلحاد والفساد الذين يبغونها عوجا لتشويه المتديّنين.. مع أنّ هؤلاء اللائي يسرقن، لا علاقة لهنّ بالتديّن، وإنّما استعملن الحجاب والنقاب كوسيلة لإخفاء هيئاتهنّ وملامحهنّ، وقد يكون بعضهنّ رجالا لبسوا النقاب، وبعضهنّ مدفوعات من جهات علمانية تعمل على التخويف من التديّن وتشويه المتديّنين!
وما قيل عن الحجاب والنقاب، يقال كذلك عن اللحية والقميص؛ فهناك صفحات تروّج للعلمانية والإلحاد، لا همّ لها إلا تتبّع أخطاء وزلات من ظاهرهم التديّن، وكلّما عثرت على خطأ لشابّ متديّن طارت به وروّجت له وقالت بلسان الحال والمقال: “انظروا ما الذي يفعله المتديّنون”! لتقنع النّاس بأنّ المتديّنين كلّهم مخادعون ومنافقون، والنتيجة: لا وجود للتديّن في هذا الزّمان!
نعم، هناك متديّنون تديّنا مغشوشا، اهتمّوا بالمهمّ على حساب الأهمّ، وديّنوا ظواهرهم وتركوا قلوبهم وأعمالهم، والمتديّنون في البداية والنهاية بشر، ليسوا معصومين من الصغائر ولا من الكبائر، لكنّنا مكلّفون بأن نكون قوامين بالقسط. فنحن لو قارنا نسبة من يقعون في الكبائر من المتديّنين بنسبة من يقعون فيها من غير المتديّنين، فسنجد أنّ التديّن يصنع الفرق، وحتى لو لم يكن هناك فرق، فواجبنا هو أن نصحّح التديّن لا أن نحاربه لأنّ بعض المتديّنين يخطئون.. ونبيّنا –صلّى الله عليه وآله وسلّم- علّمنا ألا يكون أحدنا إمّعة إن أحسن النّاس أحسن معهم، وإن أساؤوا أساء معهم، وإنّما ينبغي له أن يوطّن نفسه على أن يجتنب إساءاتهم.. المتديّن بشر، والفرق بينه وبين غيره أنّ المتديّن يقع في الخطأ فيندم سريعا ويتوب، بينما غيره يقع فيه ويصرّ ولا يتوب.. وقد يقع أحد المتديّنين في خطأ فيتوب بينه وبين الله، فيغفر الله له ويبدّل سيئاته حسنات، ولكنّ المجتمع لا يسامحه، بل يشهّر به ويفضحه في الآفاق، فيكون ذلك سببا في مغفرة ذنوبه كلّها ورفعة درجته عند الله، بينما من شهّروا به باؤوا بعظيم الأوزار، ومنهم من ترك التديّن بسبب تلك الواقعة وكرهه وصار يحاربه، فأهلك نفسه من حيث لا يشعر!
لذلك ينبغي الحذر من فعل مواقع التواصل في الواقع، فمواقع التواصل رأس مالها الإثارة والعناوين الغريبة، ولا يجوز لنا أن نكون زبائن عندها تروّج بنا بضاعتها وتصدّنا بصنيعها عن الاستقامة على طاعة الله وتبرّر لنا إصرارنا على الغفلة وترك التوبة.
مواقع التواصل لم يسلم منها المتديّنون، بل لم يسلم منها حتّى الأئمّة المصلحون، ونحن نرى كيف أنّ خطأ الإمام يصبح مادّة دسمة بين كلّ الصّفحات في مواقع التواصل، ولعلّنا تابعنا ما أجلبت به مواقع التواصل في الأيام الماضية حول خطأ ذلك الإمام من ولاية وهران الذي خاطب النّاس بقوله إنّه لن يعقد عقدا شرعيا إلا بمقابل مالي.. ما قاله الإمام خطأ، لكن هل يستحقّ كلّ هذا التهويل؟! أ كان ينبغي أن يساق الخطأ مساق التعميم فيقال إنّ الأئمّة كلّهم يلهثون خلف المال! لا، أبدا، ولكنّها رغبة الشيطان وأهواء النفوس المولعة بالتعميم وإسقاط الرّموز والقدوات.
وما يقال عن تعامل مواقع التواصل مع الأئمّة، يقال كذلك عن تعاملها مع العلماء والدّعاة المصلحين، حيث يستهوي مواقعَ التواصل الطّعن في العلماء والدّعاة الربانيين وإشاعة الأكاذيب والظّنون في حقّهم، حتى يقول أصحاب النفوس المريضة: “إذا كان العلماء والدّعاة يفعلون هذا، فلا لوم علينا نحن العوامّ أن نفعل ما نشاء”.. ولعلّنا تابعنا ما نشره المرجفون على مواقع التواصل في الأسابيع الماضية عن علماء ودعاة مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو والشيخ القرة داغي والدكتور علي الصلابي وغيرهم، بأنّهم سرقوا من أموال التبرعات التي جمعت لغزّة، وهذا كذب صراح، فلا علاقة لهؤلاء الأفاضل بالموضوع من قريب أو بعيد، إنّما هو المكر العلمانيّ ومكر المطبّعين المسارعين في إرضاء الصهاينة، يريدون أن يسقطوا كلّ من يقف في طريقهم ويفسد مشروعهم!
لذلك ينبغي لنا معشر المسلمين أن نكون على حذر ممّا يشيعه العلمانيون وخَدمة المشروع الصهيونيّ من أكاذيب في حقّ رموز الأمّة، وينبغي لنا أن نحذر أشدّ الحذر من شياطين الإنس والجنّ التي تريد أن تنفّرنا من الاستقامة والتديّن، وأن تشوّه لنا صورة المتديّنين.. ووالله لو كان أغلب المتديّنين في الواقع سيّئين، فإنّ التديّن سيبقى واجبا على كلّ مسلم، وكلّ مسلم سيسأل عن نفسه وحيدا يوم القيامة، وليس ينفع أيّ أحد أن يقول يوم القيامة: يا ربّ كنت سأستقيم وأتديّن، ولكنّي رأيت بعض المتديّنين يخطئون فكرهت التديّن! ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)).

مقالات ذات صلة