عقولهم في أقدامهم
لا شك أن غالبية المواطنين كانت سعيدة بتأهل الفريق الوطني لمونديال البرازيل، حتى وإن كان الأداء الكروي دون المستوى، والهدف اليتيم جاء بالصدفة، كما اعترف صاحبه بوڤرة، لكنه يبقى إنجازا في نظر عشاق الكرة المستديرة. ولأنه منح لحظات من السعادة للملايين من الجزائريين، فقد رصدت الاتحادية مكافأة بمئة ألف أورو لكل لاعب شارك في مراحل التصفيات، ومثلها لرئيس الاتحادية، ومكافأة للمدرب أصر الوزير الأول أن تبقى سرية، مع العلم أنه يتقاضى شهريا مبلغا يفوق المليار سنتيم.
المتابعون لعالم الكرة وللمكافآت الخيالية التي يتحصل عليها لاعبو الكرة والرياضيون في العالم، لن يفاجئهم الإعلان، في زمن التحق فيه نجوم الكرة المستديرة بنجوم سماسرة البورصات العالمية من “الغولدن بوي” ونجوم هوليود، وكبار الفنانين، وقد يرون في المكافأة مبلغا زهيدا، قياسا مع حجم الإنجاز، وإخراج الملايين من الجزائريين للشوارع يهتفون بحياة الجزائر، في زمن يدفع اليأس بشعوب أخرى إلى المسارات الانتحارية العدمية.
لأجل ذلك، لن ترى على أعمدة الصحف، أو على ألسنة الساسة من الموالاة والمعارضة، من ينتقد قرار الرئيس والاتحادية، كما لم ينتقد من قبل قرار اكتتاب مدرب أجنبي بأجرة شهرية تعادل ما أتقاضاه من يومية الشروق في عشرين سنة قادمة، أو ما يتقاضاه عامل بأجرة الحد الأدنى مقابل خمسين سنة أو يزيد من العمل.
المنصفون من أنصار اقتصاد السوق وقوانين المنافسة، سوف يردون على المنتقدين، إن وجدوا، بالقول: إنه حق للاعبين أن يثمن جهدهم بمثل هذا المبلغ الخيالي عند بعضهم، لأن مجرد التأهل سوف يكسب الاتحادية حصة من العوائد الضخمة للمونديال، المقدرة بأكثر من ثلاث مليار دولار في الحد الأدنى، حصة مرشحة للارتفاع حال تأهل الفريق لواحد من أدوار المنافسة في الصيف القادم، ولأجل ذلك يقولون إن نجوم الكرة ليسوا في الواقع سوى أجراء عند شركة متعددة الجنسيات، اسمها الفيفا، التي تكسب خلف اللاعبين والاتحاديات الأهلية مبالغ خيالية من عوائد البث والإشهار.
وإذا كانت هذه هي قواعد اللعبة، في لعبة صارت صناعة، فلا ينبغي أن نغبط اللاعبين والمدرب على الفتات مما يصلهم من عوائد هذه الفرجة، التي تتفوق كل أربع سنوات على أي فرجة أخرى يسوقها أرباب صناعة التسلية في الاقتصاد المعولم، لكن يكون من حقنا أن نخاطب الجماهير، التي لا تحتج في الغالب على أجرة لاعب الكرة، وعلى ما يقدم لنجوم التسلية في الرياضة والفنون، نطالبها بموقف مماثل حين يتعلق الأمر بأجرة كبار القادة في الدولة من وزراء، وبرلمانيين، وولاة، ومن هم دونهم، وقد حق لأعضاء البرلمان عندنا أن يحتجوا على هذا التمييز المنكر في حقهم.
ولو أن العقلاء علموا الغيب لكانوا استكثروا في صباهم الركض خلف الكرة، والعناية بأرجلهم وأقدامهم، في زمن تفوق فيه قدم الرياضي، وخصر الراقصة وأردافها، وحبال الحنجرة، على أفضل العقول، وأخشى أن يبتدع أحدهم حديثا يقول: اطلبوا علم الكرة ولو في الصين!